توقف عن إفراغ نفسك لملء الآخرين

أجد الحياة عبارة عن طريق سريع، طريق تكتنفه أنفاق متنوعة، بعضها يطول اجتيازه، فيما الآخر يمر برمشة عين، في داخل الأنفاق مصابيح تنير عتمة الطريق، هكذا إذن هي الحياة رحلة نحو الوجهة المعلومة، والأنفاق هي تحدياتها وأوقاتها الصعبة التي حتما ستختبرنا وتختبر ثقتنا بأنفسنا قبل الآخرين، أما المصابيح، فهم الأصدقاء الصدوقون، البعض يزيد للطريق إنارة يؤنسك ويدعمك دعما حقيقيا، وكلما طال النفق، ازداد رفيقك توهجا، أما البعض الآخر، فينطفئ عند أول عتمة في الطريق، وكأنه يقول لك أنك غبي لتدخل هذا التحدي، محاولا أن يجهز على جدوة حماسك، والأسوأ كل السوء، أن تحاول إصلاح المصباح وسط الظلام، فتجد نفسك ظللت الدرب، المصابيح التي اختارت أن تتعطل نتركها للدهر، نترك خيوط العناكب لتقوم بعملها، أما دورك فهو إكمال الطريق، والركض وراء الهدف تحت أنير من اختار أن يتوهج، وهنا أقتبس ما قاله الدكتور مصطفى محمود: “لا نملك أكثر من أن نهون على بعضنا الطريق.”

هكذا إذن هي الحياة، والذكي من يلزم نفسه فيها بالتطور، أن يطور نفسه نفسيا وأخلاقيا، جسديا وماديا، أن يسعى إلى أن يجدد نفسه وأن يبقي على أفضل نسخة منه، عارفا بعيوبه، ساعيا لتخطيها، أن تطور نفسيتك فتبقيها مطمئنة، بعيدة عن الحزن وكل البعد عن الخوف؛ لأنه أكثر ضررا على النفس من الحزن، لاستقدامه في القرآن، في قوله تعالى: {وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي} ولقوله عليه الصلاة والسلام: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن»، فالخوف يفضي إلى الحزن وكلامها ينهك العقل والقلب والجسد.

مفترق الطرق هنا يتمثل في الانسحاب، فلا يهم إن خسرت المعركة، الأهم أن تربح نفسك، فلا تجلد نفسك بسبب أخطاء الآخرين، ولا تلقي على عاتقك طاقة لا تتحمل ثقلها فتهدمك وتستنزفك وتشعرك بدون قيمة، انسحب،انسحب وحسب.

لا تتوقع أي شيء من أي أحد، لا تنتظر من هذا أن يواسيك في شيء، ولا الآخر أن يدعمك في شيء آخر، أخفض سقف توقعاتك، وطور أخلاقك، واجتنب الأحكام المسبقة، وتفادى ما استطعت رد الإساءة، وكن متأكدا أن ظلها يتبع صاحبها أينما حل وارتحل، فالسلام الداخلي يبدأ عندما تختار أن لا تسمح لأي حادث أو أحد أن يتحكم في مشاعرك، وأنهي حديثي بمقولة علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “يا ﺑﻨﻲ، ﺍﺟﻌﻞ ﻧﻔﺴﻚ ﻣﻴﺰﺍﻧﺎ ﺑﻴﻨﻚ ﻭﺑﻴﻦ ﻏﻴﺮﻙ، ﻓﺄﺣﺒﺐ ﻟﻐﻴﺮﻙ ﻣﺎ ﺗﺤﺐ ﻟﻨﻔﺴﻚ، ﻭاﻛﺮﻩ ﻟﻪ ﻣﺎ ﺗﻜﺮﻩ ﻟﻬﺎ ﻭﻻ‌ ﺗﻈﻠﻢ ﻛﻤﺎ ﻻ‌ ﺗﺤﺐ ﺃﻥ ﺗﻈﻠﻢ، ﻭﺃﺣﺴﻦ ﻛﻤﺎ ﺗﺤﺐ ﺃﻥ ﻳﺤﺴﻦ ﺇﻟﻴﻚ، ﻭﺍﺳﺘﻘﺒﺢ ﻣﻦ ﻧﻔﺴﻚ ﻣﺎ ﺗﺴﺘﻘﺒﺤﻪ ﻣﻦ ﻏﻴﺮﻙ، ﻭﺍﺭﺽ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺑﻤﺎ ﺗﺮﺿﺎﻩ ﻟﻬﻢ ﻣﻦ ﻧﻔﺴﻚ، ﻭﻻ‌ ﺗﻘﻞ ﻣﺎ ﻻ‌ ﺗﻌﻠﻢ ﻭﺇﻥ ﻗﻞ ﻣﺎ ﺗﻌﻠﻢ، ﻭﻻ‌ ﺗﻘﻞ ﻣﺎ ﻻ‌ ﺗﺤﺐ ﺃﻥ ﻳﻘﺎﻝ ﻟﻚ.”