حبة أسبرين

هزيل الجسم، متوسط القامة، ذو ملامح شرقية محتحها رياح الفقر العاتية فلم تترك منها غير حروف أثرية. نطقه كان ثقيلا يكاد يقرب البكم لكن لايلمسه، لباسه جلباب بني اللون بالي عبارة عن فراغات اجتمعت فيما بينها لتصنع له قماشا لا يقيه من البرد القارس ولا يحجب عنه أشعة الشمس الحارقة.
كان يقف أمام باب الصيدلية ينتظر من يشتري له علبة أسبرين أو ربما حبة… حبة لن تعالج آلامه ستسكنها فقط لسويعات…لتعود من جديد، آلام لايعترض عليها أو يشتكي منها فهي صارت جزءا من روتينه اليومي…آلام تركتها الأيام له الأولى بقيت أما الثانية فقد رحلت.




خلال إنتظاره لم يسلم من بطش و تطفل من يدعون القوة، يستصغرون الضعيف فقط لأنه ضعيف و المريض لأنه مريض و الوحيد فقط لأنه وحيد…ينسون أو يتناسون أن الضعف و القوة كلاهما بيد الله جهلهم غيب عنهم حقيقة أن ذبابة قتلت النمرود و نملة أوقفت نبي الله سليمان و جيشه العظيم.
يصفعونه كأن الحياة لم تصفعه بما يكفي و يزيدون من آلامه و جراحه كأن الأولى لم توفي…هذا هو حال الضعيف لا تزيده الأيام إلا ضعفا و الفقير فقرا و الغني غنا و القوي قوة.

عندما قاربت قوة الإحتمال عنده على الإنتهاء، دخل الصيدلية مهرولا يطلب النجدة، ليجد قبالته شخصا بملامح أروبية شعر رمادي و عيناي مغطيتان بنظارات من آخر صيحات الموضة، كان يرتدي بدلة كلاسيكية أنيقة من صنع إحدى دور الأزياء الإيطالية المشهورة ، رائحة عطره كانت قد ملئت المكان كأن الربيع بألوانه حل قبل الأوان .كلامه كله كان بالفرنسية مزركش بكليمات من “الدريجة” كان يسأل عن مرهم ما إن أخبرته المساعدة أنه غير موجود حتى بدأ بالتأفف و الصراخ كأن الناس كلهم عبيد في مملكته. فتلك اللحظات إختفت أناقة الكلام لتسقط بعدها أناقة اللباس…فقد صدق الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه
عندما قال:
ليس الجمال بأثواب تزيننا إنما الجمال جمال العلم و الأدب*******ليس اليتيم الذي قد مات والده******
إن اليتيم يتيم العلم و الأدب.




حاولت المساعدة أن تهدأ من روعه و تشرح له الوضع وأنه هناك بعض الأدوية التي يوقف أو يعلق تصنيعها من قبل المختبرات أو الشركات الدوائية و أنه لاذنب للصيدلية…قاطعها قبل أن تكمل كلامها قائلا: بفففففف أنتم المغاربة دائما ليدكم الأعذار… كأن نطقه الفرنسي لهذه الجملة جعل منه فرنسيا وأنساه حقيقة أنه مغربي أيضا… في هذه الأثناء دخل الرجل المسكين مستنجدا و مستعطفا ضانا منه أنه قد وجد ملاكه الحارس؛
ما هي إلا ثواني حتى انقلبت صورة الملاك إلى شيطان صرخ في وجهه قائلا: ابتعد عني لا تلمسني
إلتفت لي محاولا محاورة نظراتي التي اختلطت فيها الصدمة باللوم و العتاب…أجاب بنظرة المنتصل من المسوؤلية قائلا : لقد أصبحوا يمتهنوهها (السعاية) حتى امتلءت أبواب الصيدليات بهم ورمى له درهم على الأرض وقال هيا خدها و ابتعد…بكلمات متقاطعة أجابه الرجل المسكين: أأأناااا……..لا..أر…..يد….مالا، أ….ري…د صح…تيي فقط….أر..يد حبة أس…بريين!!!
لم أستطع أن أخفي دموعي وتمنيت لو كان بمقدوري إعطاءه الصحة التي طلبها وليس فقط حبة أسبرين…حبة قد تخفف من آلامه العضوية لكن لن تشفي جروحه النفسية…لن تجبر انكساره…لن تعيد له الثقة…لن تجعل حياته جميلة…لن تحفظ له ماء وجهه….لن تغير نظرة من سيئون به الظن…لن تعطيه الحياة التي تمناها….لن تجعله إنسانا سعيدا!!!
أخبرته أني شأشتري له الدواء،فرح كثيرا و سارع لي بالدعاء وحزنت كثيرا لحاله…لأني علمت الداء و غاب عني الدواء.



1xbet casino siteleri bahis siteleri