حتى لا يمشي الخطأ على الأرض!

انقطع السنة الماضية ملايين الطلبة في العالم عن تلقي دروسهم، بسبب الإجراءات التي اتخذتها الدول للحد من انتشار فيروس كورونا، وكان أبرزها إغلاق المدارس. ولم يكن من سبيل أمام عدد من الدول العربية والأجنبية سوى تفعيل نظام التعليم عن بعد، أو التعليم من المنزل، والذي يعد، نوعا ما، تجربة جديدة على كل من المعلمين والطلبة على حد سواء.

استطاعت الدول المتقدمة التي راكمت تجربة لا بأس بها في مجال “التعليم عن بُعد” أن تحُلَّ مشكلة انقطاع طلبتها عن المدارس بسبب كورونا. لكن الدول المتخلفة في مجال التعليم -والتصنيف الدولي للتعليم شاهد على ذلك- وجدت نفسها في حيرة من أمرها. فلا هي استطاعت أن تترك الطلبة والأساتذة في مرحلة الحجر الصحي إلى أن تنتهي، ثم تقوم بتعويض الوقت المستقطع من خلال إعادة برمجة السنة الدراسية وتواريخ الامتحانات، ولا هي استطاعت تدبير التعليم الحضوري بفعالية ومردودية.

ولم يكن المغرب بمنأى عن تأثير وباء كورونا على سائر المجالات بصفة عامة، والتعليم بصفة خاصة. فتعطلت كثير من المؤسسات التعليمية، ومؤسسات التربية والتكوين (مركز التفتيش، والمدرسة العليا للأساتذة، والمراكز الجهوية للتربية والتكوين، والمؤسسات الجامعية…) مما أثر بشكل سلبي على تكوينات المتعلمين في تلك المؤسسات. وأمام استمرار وباء كورونا، ارتأت هذه المؤسسات اعتماد نمط التعليم التناوبي (الحضوري والتعلم الذاتي)، وهناك من المؤسسات التي ارتأت تطبيق “التعليم عن بعد” فقط وهي قليلة. لكن الأنماط الجديدة من التعلم فشلت في تعويض التعليم الحضوي بشكل كامل، ومن أسباب فشل ذلك:

مقالات مرتبطة

أولا: غياب التكوين المستمر لكل الأساتذة في الإعلاميات، مما جعل كثيرا منهم لا يتكيفون مع هذا النمط الجديد من التعليم، زيادة على عدم وجود إطار قانوني وبيداغوجي يؤطر هذا النوع من التعليم.

ثانيا: عدم توفر كثير من الأساتذة على اللوحات الإلكترونية، وارتفاع تسعيرة التعبئة والربط بشبكة الأنترنت، وهذا ما ينطبق على أغلب التلاميذ، ناهيك عن انتماء عشرات الآلاف من التلاميذ من العالم القروي الذي يحول فقرهم دون الاستفادة من الخدمات السالفة الذكر.

سيبقى التعليم عن بُعد مجرد جعجعة بلا طحين. إذن، هذا الخلل في التكوين والتحصيل المعرفي الذي نتج عن الانقطاع عن الدراسة كلية، أو الاعتماد على التعليم التناوبي، سينتج عنه خلل كبير لدى المتعلمين والأطر التي ستتخرج من مراكز التكوين، في هذه السنة، والسنوات المقبلة، ما لم يتم تداركه بالتكوين الذاتي الذي تصحبه رغبة وولع في طلب المعرفة لدى المُتعلم. كما على الأساتذة والمؤطرين للمتعلمين، تزويد طلابهم بقوائم القراءة والاطلاع الضخمة، وإفهماهم أن الاطلاع الواسع الضخم والعميق، هو السبيل لتكوين المعرفة، ومَلكة الفهم، وليس الخلاصات والمحفوظات. ويقول المثل السائر: ’’خطأ الطبيب يدفن تحت الأرض، وخطأ المهندس يقع على الأرض، أما خطأ المعلم فهو يمشي على الأرض.‘‘ وهذا لا يعني تبرير خطأ الطبيب؛ لأن قتل الإنسان عمدا كبيرة من الكبائر، ولا تبرير خطأ المهندس، لأن في خطئه إضاعة للمال وتبديدا لمصلحة الناس، وربما إزهاقا لأرواحهم، كسقوط عمارة على ساكنيها بسبب خطئه في تصميم البناء. وإنما المقصود أن خطأ المعلم يستمر مع الأجيال، ويسري في العقول سريان السموم في الأجساد.

لهذا، حتى لا يبقى الخطأ يمشي على الأرض، ولا أن يدفن فوق الأرض، ولا تحت الأرض، يجب معالجة سم الجهل في بدايته، وعلاجه بمزيد من التكوين الذاتي، والقراءة الواسعة والنافعة، بمنهجية منضبطة وفعالة، والعقل وعاء لا حدود له، ولا مقدار ما يستوعب، وكلما قرأت أكثر، ارتقيت أكثر. إذن، يجب أن تبذلوا 100% من جهدكم يوميا. وما تقصرون في بذله اليوم، لن تعوضوه غدا. فإذا بذلتم 75% اليوم، فلن تستطيعوا بذل 125 % من جهدكم في اليوم التالي. وكما قال المتنبي:

ولم أر في عيوب الناس شيئا *** كنقص القادرين على التمام.

1xbet casino siteleri bahis siteleri