حلم الحياة بعد الكورونا

بعد كل المحاولات المبذولة لتحفيز العقل على كسر زجاج الرتابة في البيت، بدون جدوى نجده شاردا بالتفكير في الرتابة التي كان يقضيها خارج البيت، فالمعهودات تصبح ثمينة إذا انحازت إلى صف المفقودات، فكثيرة هي الأشياء التي طالما تجاهلنا وجودها وتدمرنا على بساطتها كوننا كنا نظن أنها مِلكنا وكان أمر فقدانها أو غيابها بالأمر المستحيل، لتصبح الآن مجرد ذكرى من زمن ما قبل الكورونا.

مقالات مرتبطة

دائما تزورني أفكار من قبيل أن هذا مجرد درس لي وللعالم ولكل شخص كان يقدس مفقوداته ويذم معهوداته، لكل شخص كان يتحسر على ما لا يملك ويلقي ما يملك في قمامة التجاهل والنسيان، لتجده الآن ومع ميلاد كل يوم جديد يضيف أحلاما بسيطة كانت بالأمس مجرد اعتيادات لقائمة أحلامه التي لا يدري متى تصبح حقيقة، وهل ستعود لسابق عهدها أم هي أيضا ستتدلل علينا وستعمل بقاعدة من فقدني مرة سأتغير عنه ولن أعود كسابق عهدي.

وعلى غرار ما نحلم به، الخروج لبضع دقائق وإن كان الزمن سخيا يجعلها ساعة أو ساعتين، نركض على حافة الطريق بدون أي قيود، نستنشق هواء الخارج بدون أي حاجز، نعانق المارة وكأنهم ذوينا الذين اغتربوا عنا أو ربما نحن اغتربنا عنهم، نصافح بابتسامة عريضة كل أم وأب وطفل وكل شيء يمشي على هذه الأرض ولو كان قطا أو نملة حتى…نركب سيارة أجرة وندخل في تلك الأحاديث الطويلة العريضة مع سائقها ليحدثنا عن كيف عاش هو أيضا أزمته مع ذلك الفيروس وكيف حمى نفسه منه وحمى ركابه، يحدثنا عن مساره اليومي وعن الطريق التي خلت من كل شيء إلا ممن خرجوا للضرورة القصوى ليحدثنا أيضا عن خوف الناس ورهبهم من لمس النقود وكأنها لهيب النار الذي لا يُبقي ولا يذر، وتستمر الأحاديث وكأننا تعلمنا الكلام للمرة الأولى حتى نصل للوجهة المطلوبة…الوجهة المطلوبة ستكون محطة الأوطوبيس! أجل ستكون كذلك، فكل ذلك الحرمان رافقه نسياننا لكل شيء وكأننا إنسان بدائي يكتشف العالم للوهلة الأولى، سننظر لراكبي الحافلة بكل حب وغرابة كأننا نتعرف عليهم واحدا واحدا بأعيننا فقط، تم نتيه في مراقبة الحافلة وهي تسير على الطريق، والمارة وهم يعبرون الشارع بكل أريحية…لتقف الحافلة في المكان الذي انتظرته بكل فارغ صبر، إنه مكان اجتماعك بأصدقائك جامعة كان، مدرسة أو سوق شغل، ستدخله كالطفل الذي التحق بالمدرسة حديثا ستضحك وتبتسم في وجه الكل وتذهب ركضا لتبحث عن صديق أو رفيق أمضيتما ذكريات لا تنسى قبل الجائحة، ستعانقه بكل ما أوتيت من قوة وإن كنتم مثلي فلن يهدأ لسانكم من سرد ما فات وما سيفوت ومستقبل لم يفت بعد…ليأتي دور التبضع قد تكون أو لا تكون بحاجة له لكنك فقط تود أن تشفي غليل اشتياقه، ستذهب وجهة المكان الذي تجتمع فيه الدكاكين المتراصة في مدينتك، ستتيه من أين ستبدأ هل من عند صاحب الملابس الذي اعتدته من قبل أم أنك ستلقي التحية على أسعار وملابس الكل، أم أنك ستبدأ من عند صاحب الأحذية التي طالما وعدت نفسك بالاقتناء من عنده أو ربما ستجول عيناك في كل شيء وستؤجل الاقتناء للمرحلة الثانية.

إن عاملنا كل هذه الأحلام معاملة هدف يجب الحرص على تحقيقه ونيله، فواجبنا إذا هو الاستمرار في حماية النفس و الغير، الاستمرار في حماية العالم والكون، الاستمرار في حماية الكيان الواحد، والاستمرار في محاربة الأنانية والتضحية بالقليل والكثير أيضا، والالتزام بلزوم البيت من أجل طبيب وحارس أمن وممرض كان جدار أمن وأمان وكان وسيضل حاجزا منيعا بينك وبين المرض، فهذه الأشياء البسيطة والتزامك التام بها وخروجك إلا لضرورة الأمر ووضع حواجز المسافات بينك وبين كل شخص الآن وفي زمن الكورونا هي التي ستجعل الحلم حقيقة قريبا، وستجعلنا نعيش جميعا فترة ما بعد الكورونا.