حوار بين سيدتين قراءة في صورة

المسافة بين الإنسان والذاكرة، أَلـم..

قد تبدو علاقةُ الإنسانِ بالمكانِ علاقة عاديةً وسطحيةً، لكن أحيانا قد يتعلق الأمر برابطة أقوى بينهما وهي التآلف. وفي حالاتٍ خاصةٍ قد تنعدمُ هذه المسافةٌ لتصلَ إلى حد التَّماهي؛ حيث يصبحُ الإنسان متحداً مع المكانِ في علاقةِ تساكنٍ أو بالأحرى تماهٍ، فالمكان آنذاك هو من يسكنُ الإنسانَ..

على يسارِ الصورة تقف سيدة متقدمة في السن بشعر قصيرٍ، وملامح فرنسيةٍ ترمي ببصرها نحو أطلالِ كاتدرائيةِ السيدة العذراء المتهالكةِ notre dame de parís، وتمسك بين أناملها التي يبدو أن الزمن قد ترك عليهما آثاره، صورةً تذكاريةً لنوتردام في أيام عزها، متجملة كفتاة ليلة عرسها، وعليه كتب اسم باريس وما أدراك ما باريس، عاصمة الأنوار. وعلى اليسار تقف بقايا أبراج الكاتدرائية المحترقة، تتمالك نفسها تكاد تنهار من هول الكارثة بعد أيام عصيبة.

المشهد ثلاثي العناصر، ربما يلخص ما عاشته فرنسا من رعب خلال منتصف شهر أبريل 2019، بعد نشوب حريق خلال أعمال الترميم التي عرفتها الكاتدرائية، ويصف بعمق حجم المأساة، ويعبر ببلاغة شديدة عن العلاقة بين الإنسان الفرنسي وذاكرته الجماعية، فالبوسطال مثلا -كما سنرى- في أبعاده السياحية والتاريخية كشاهد بينهما، يمثل العلاقة والقرابة والأهم في هذه اللحظة أن المسافة بين الإنسان الفرنسي ونوتردام هي الألـم.

تفرض الصورة على المشاهد الاحترام الواجب، فمن أساسيات الفوتغرافيا إبداء الاحترام للتيمة المطروحة.

قراءاتٌ متعددةٌ و مَعنى واحد (ألم)
هناك قراءات متعددة في عوالم تحليل الخطاب الفوتغرافي السيميائي في صورة ما، لكننا هنا، نحن أمام قراءتين على الأقل، أحلاهما مرٌ؛ لأن الصورة في الحالتين معاً حزينة ومأساوية، من اليسار إلى اليمين، أو من اليمين إلى اليسار، تبقى مسألة الاختيار شخصية، لكن الأمر مرتبط بعوامل منها اللغة، نعم باللغة، كيف ذلك؟
وأنت تقرأ هذا النص الذي بين يديك -أيها القارئ الكريم- لعلك لاحظت أنك تقرأ من اليمين إلى اليسار، كذلك حينما تنظر إلى الصور، الإنسان العربي إذن مجبول على ما تفرضه عليه لغته العربية ويؤثر ذلك على رؤيته للحياة ونظرته للأشياء، عكس اللغة الفرنسية مثلا، التي تبدأ من اليسار إلى اليمين، في قواعد التكوين الفوتغرافي La composition تبقى هذه التقنية إحدى أهم التقنيات المعتمدة لدى المصورين ساعة ترتيب عناصر الصورة تصويراً وتحليلاً.

قراءة أولى: حوار سيدتين
القراءة الأولى ستكون من اليسار إلى اليمين لسببين رئيسين، الأول أن الحدث فرنسي، والثاني أننا سنبدأ وفق قاعدتين مهمتين في تحليل الصورة، الأولى: الانتقال “من الأقرب مكانا إلى الأبعد: انطلاقا من السيدة مرورا بالبوسطال ثم نوتردام” والثانية: الانتقال “من اللون الحاد إلى الخافت: من الأحمر إلى الزهري إلى الأزرق ثم الأسود” ذلك أن عين الإنسان تبدأ بقراءة الألوان القوية اللافتة أولا كاللون الأحمر والأصفر. ومن العنصر الأقرب فالأبعد.

السيدة: رمز للإنسان الفرنسي المتعلق بالمكان وحساسيته الشديدة تجاه رموزه المادية واللامادية، وارتباطه الشديد هنا خصوصا بهذه المعلمة الدينية والتاريخية، قد تتبادر إلى أذهاننا أسئلة عديدة، ليس من الضروري الإجابة عنها بل فقط تمعنها وتأملها. فمثلا، بأي عين تنظر هذه السيدة إلى بقايا أبراج نوتردام؟ وهل أتت بالبطاقة البريدية -البوسطال- كشاهد ودليل لتثبت لنفسها أولا، ثم لنا جميعا ما كانت عليه الكاتدرائية أيام عزها الفرنسي؟ هل أتت به كوثيقة تاريخية لتتحقق -فعلاً- من أن الماثلة أمامها هي نوتردام التي تعرفها، مشدوهة متسائلة؟ أم هل أتت بها احتجاجا على النار، لتستنكر على ألسنة اللهب فعلتها الشنيعة، وهي تأكل عظام الأبراج؟ أم لعلها فقط لحظة نوستالجيا لاسترجاع ذكريات جمعتهما لحظة تكريم من السيدة لنوتردام Hommage.

البوسطال: بين سيدتين يقف البوسطال (صورة فوتغرافية) وفيه تظهر نوتردام وهي تحتفي بقوامها الرشيق وأضوائها البهيجة، يوحي بتاريخها الزاهر حيث عرفت أحداثا سياسية واجتماعية وتاريخية مهمة جدا من ترسيم الملوك بين أحضانها وتتويج نابليون بونابارت إمبراطورا على فرنسا، وفي الصورة كذلك تحلّق أرواح المصلين منذ القدم، و أيضا روح فيكتور هيجو الذي كرَّمها في رائعته الشهيرة “أحدب نوتردام” فأخذت بذلك بعدها الأدبي العالمي.

البوسطال / التذكار يعطي الصورة قوتها الضرورية التي لولا وجوده لكانت ضعيفة، ففي الصورة ثلاثة عناصر فقط دون أدنى تشويش أو مبالغة، ويبقى البوسطال مفتاح قوتها، ففيه اختصار كبير للمأساة.

على البوسطال يظهر اسم المدينة، وهو إخبار بأن نوتردام هي قلب باريس، وإشارة ونقل للمشاهد إلى مكان الحدث، ثم بعد ذلك إحالته إلى رمزية باريس التاريخ، والديمقرطية عاصمة الأضواء.

الكاتدرائية: في أقصى الصورة يمينا، بجسد متهالك غامق اللون، كشبح متعب، اختار يورياس لهذا الجسد أن يستلقي على ذراع السماء داكنة الزرقة، لحظة غروب في نهاية النهار ولعله نهاية المأساة، يتحول الغروب الذي اقترن بالمشاهد الرومانسية الدافئة إلى مشهد حزن وعزاء.

تبدو نوتردام وهي تندب حظها العاثر مع أشغال الترميم والتجديد والبناء فليست هذه أول مرة تنقض عليها أيادي الحرق والعبث. ليست أول مرة تعاني من مثل هذه الحوادث المؤسفة.

نوتردام العذراء التي استباحت ألسنة النيران طُهرها ودنست قبتها التي انتهت رمادا بين أقدامها. نهر السين الذي يمتد غير بعيد عن أقدامها لم يستطع إنقاذها، فقد عجز عن مد مياهه لإنقاذ الأبراج رغم قرون الجوار والصحبة التي تشاركاها معا على طول وامتداد تاريخ وجغرافيا فرنسا.
الإضاءة: استغل يورياس إضاءة آخر النهار الخافتة، ليعطي حالة دراماتيكية للصورة مع الاستعانة بفلاش جانبي ملحق بالكاميرا ليعطيها طابعا سينمائيا مكتمل الأبعاد، وقد كان موفقا إذ لولا الفلاش لغابت تفاصيل السيدة وتلك الألوان الجميلة لشعرها المائل إلى الأحمر والبني، ولون سترتها الزهري؛ حيث شكلت مع اللون الأزرق السماوي الغامق باقة رائعة دافئة وقوية من الأحاسيس.

قراءة ثانية: السفر عبر الزمن
ونحن ننطلق من اليمين إلى اليسار، ففي الحقيقة نحن ننتقل بين عتبات الزمن، من الأقدم إلى الأحدث، فهذا العبور الزمني يوحي بقوة ماضي فرنسا الضارب في عمق التاريخ الإنساني، وهو أيضا سفر عبر الزمن لأن “السفر عبر الزمن هو واحد من الأهداف التي تحققها الفوتغرافيا” كما يقول استيفان هوبكينز.

نمر من الأبعد إلى الأقرب مكانا وزمانا في الصورة وفي التاريخ عموما، وأيضا قد ننتقل من الأكبر إلى الأصغر هيمنة وحيزا في الصورة، أي من نوتردام إلى السيدة إلى البوسطال، التفصيل الصغير الذي أعطى معنى بليغا للصورة.

تجبرنا هذه القراءة على تبنّي مجموعة من الأسئلة، هل يصنع الإنسان التاريخ؟ أم أن الذاكرة هي من تكوّن الإنسان وتعيطه صفات الانتماء؟ هل نولي لذاكرتنا الاهتمام الواجب؟ هل علاقة الإنسان بالمكان سكن وجوار أم أنها علاقة وجودية ثابتة، علاقة ارتباط أحدهما بالآخر؟

في الحقيقة كل الأجوبة مقبولة ومطلوبة وهي شخصية وعامة، ومفتوحة أمام الجميع، لكن لعل من بين الإجابات القوية، وقفة هذه السيدة الفرنسية مجزوعة متحسرة، وأيضا انتفاضة الرئيس ماكرون لجمع التبرعات من كل الفرنسيين، فتحدث في خطابه عقب إطفاء الحريق عن المصير المشترك والمشروع المشترك والتزام الجميع، لا يتعلق الأمر هنا بالدولة بل بالإنسان، المسألة إذا فرض عين وليست فرض كفاية، وذلك ما كان؛ حيث استجاب الإنسان الفرنسي في ظرف قياسي وتم التبرع بالكثير من الأموال لإعادة إحياء نوتردام.

بين القراءتين
بين القراءتين خيط رفيع وهما معا في صالح الصورة؛ فالأولى زيادة على عامل اللغة واللون هي انتقال من الأقرب إلى الأبعد مكانا وإحساسا، والثانية إضافة إلى الحجم والمساحة المهيمنة، هي سفر عبر الزمن من الأقدم إلى الأحدث تاريخا ووجودا، سفر بين ثلاثة عناصر قوية ذهابا وإيابا، لا غنى لواحدة عن أخرى، فلكل منها حمولتها الدلالية، وتوزيعها القوي والمنظم هو أحد نقاط قوة الصورة، فلا تشويش أو نقص أو زيادة، ما دلّ وإن قل.

قد نطرح قبل الختم سؤالا أخيرا، هل صورة يورياس صحفية أم فنية؟ سؤال واقعي وجميل، ففيها الخبر والجمال والكثير الكثير من صنعة تافنانت.

أخيرا، أحيانا في الفوتغرافيا وللانتقال من مشهد إلى آخر نحتاج إلى الزمن والألم ولكن الكثير الكثير من الأمـل.