خلف بوابة كورونا

لا قيمة لحياة من دون موت، ولا قيمة لسعادة من غير كدر، ولا قيمة لنور من غير ظلام، ولا أهمية لقوة من غير ضعف، كما لا قيمة لحياة بدون كورونا!؟

إنها حكمة الله البالغة تغشاها رحمته التي وسعت كل شيء، فلا يوجد شر مطلق بتاتا لأن الحياة في جوهرها يكمن الخير كله، لذا تمكنا أن نقول إن لوباء كورونا وجها مضيئا. رغم ما يحمله في ظاهره من مصائب شتى.

إن هذه الابتلاءات هي التي تدفعنا للعيش مدركين معنى الحياة، منها نستمد القوة، وننهل الحكمة، ونتعلم الدروس. سئل الإمام الشافعي رحمه الله: هل ندعو الله بالتمكين أم بالابتلاء؟ فقال: لن تمكَّن حتي تبتلى. وفي هذا الصدد عزيزي القارئ حتى أوضح المعنى أكثر، اخترت شرحه من خلال المثال التالي: أن نرمز للابتلاء كأنه نار، والنار في ظاهرها رمز للعذاب، إلا أنها ترمز للشعلة المضيئة، وللأمل المنشود في الآن نفسه.

والنار أنواع، نار تدفئ أجسامنا في البرد الشديد وإلا تجمدت أجسامنا، منها نستنتج أن الابتلاءات يسوقها الله تعالى لعباده رحمة بهم، ونجاة لهم من المصائب تارة، وتحقيقا لسعادتهم تارة أخرى.

قال عز وجل: {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}

مقالات مرتبطة

فما عسانا أن نعلم يا الله إلا ما علمتنا إياه من علمك الذي وسع كل شيء، فنحن ضعفاء، وما أوتينا من العلم إلا قليلا.

أما النوع الثاني من النار فلولاه ما عرفنا قيمة الأشياء، وإلا فما قيمة العجين إن لم يُطه بالنار حتى يصبح خبزا، وكيف لنا أن نعرف قيمة المعادن وأشدها تحملا وصلابة إن لم نصهرها بالنار، لنتمكن في النهاية من تصفية المعدن الثقيل الذي لا يذوب بين المعادن سريعة الذوبان، هذا النوع من الابتلاء يسوقه الله للأنبياء والأولياء والصالحين ، ولأحبائه حتى يرفعهم من مقام إلى مقام، يسوق إليهم الشدائد والمحن لكي تنضج شخصيتهم، وتثبت معادنهم، ويعدهم لوظائف ومسؤوليات لا تستطيع تحملها كل الناس، للاختبار والأجر، فلولا ابتلاء الله عبده أيوب لما اكتشفنا مدى صبره، ولولا ابتلاءه تعالى لنبينا وحبيبنا محمد عليه الصلاه والسلام لما عرفنا حلمه ومدى خشيته على أمته.

أما النوع الثالث والأخير فهو النار المحرقة التي يسلطها الله عز وجل على الطغاة والظالمين حتى يردعهم، قال تعالى {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ}.

إخوتي الكرام، اللبيب والعاقل هو من ينهل الحكمة من كل حادث، فبلاء كورونا جعلنا نراجع أنفسنا ونرتب أوراقنا، جعلنا نعي ونعقل أننا لسنا سوى مستخلفين في الأرض، ولسنا مالكيها بل الله مالكها ومولاها، هو من يقرر وهو من يدبر سبحانه وتعالى.

بعض الطغاة ظنوا أنهم من يحكمون الأرض، باتوا يتوعدون ويهددون ويمارسون طغيانهم بألوان شتى، ويضعون خططا طويلة الأمد تخدم قيمهم الخبيثة، وهم واثقون من تنفيذها.

وها هو العالم اليوم فجأة ودون سابق إنذار يعيش ركودا لم يكن يتصوره من قبل ولم يعد له أدنى استعداد، في الوقت الذي يتجلى فيه التدبير الإلهي بحكمة بالغة يرسل فيها رسائله ليذكرنا أن ما يحدث في العالم الآن وفي المستقبل يظل في علم الله الشامل، وعليه مهما تطور العلم فلا علم لنا إلا ما علمنا الله إياه، ولا منجى ولا ملجأ إلا إليه سبحانه وتعالى.

1xbet casino siteleri bahis siteleri