دار المسنين في مجتمع إسلامي: علامة استفهام تتراقص في الأذهان

486

كانت زيارتي لمؤسسة الرعاية الاجتماعية للأشخاص المسنين بمبادرة من إحدى الجمعيات، من بين أحسن التجارب الإنسانية التي عشتها في حياتي، لأنها ذات طابع خاص بالنسبة لي، لارتباطها بالعمل التطوعي. وفي الحقيقة، يعجز الحبر عن كتابة ما يخالج بداخلي وما يجول في خاطري إذاك، هناك خليط من أحاسيس الفرحة والبهجة والسرور من جهة، والصدمة والحزن والقلق من جهة أخرى، جميع هذه المشاعر عشتها في يوم واحد.

كثيرا ما سمعت عن ”دار العجزة” كما يسمونها باللغة العامية، لكن أحس بها كمصطلح عابر يمر في ذهني مرور الكرام، لكنني عندما قضيت بعض اللحظات مع هؤلاء النزلاء خرجت بمجموعة من العبر ولقنتني درسا كبيرا في موضوع البر بالوالدين، ويمكن القول إن خوض وعيش التجربة يختلف تماما عن الحكاية والرواية الشفوية.

أريد أن أقف وقفة تأمل عند هذا الموضوع أو بالأحرى الظاهرة العجيبة والغريبة عن مجتمعنا المغربي، والتي في تكاثر مستمر، تتوطد وتترسخ أواصرها يوما بعد يوم، ألا وهي تخلي الأبناء عن أحد آبائهم أو كلاهما في مراكز الرعاية الاجتماعية للمسنين، أو مراكز إيواء العجزة المتخلى عنهم، أو الخيرية كلها أسماء تفيد معنى واحدا، أليس لهؤلاء الأبناء قلب يحسون به؟ حين يرمون آباءهم بلا رحمة أو شفقة، كيف تحلو لهم الحياة الدنيا يأكلون ويشربون ويتمتعون بملذاتها؟ وفي المقابل أبوه الذي ضحى بالغالي والنفيس ليوفر له لقمة العيش؛ يشتغل ليل نهار حتى على حساب صحته، وأمه التي صبرت وسهرت الليالي من أجل تربيته ومنحت فلذة كبدها كل العطاء والحنان، يتواجدون في مكان لا يعلم هل هم على ما يرام وفي أحسن الأحوال؟ هل يأكلون؟ هل يشربون؟ هل هم في صحة جيدة؟ أكيد لا.

يعتقد ويتوهم هؤلاء الأبناء عديمو المسؤولية والإنسانية أنه بالتخلي عن آبائهم أو أمهاتهم الذين انحنى ظهرهم لتربيتهم ستستقيم حياتهم، صراحة يحز ذلك في النفس، فالتضحيات الكثيرة التي قدموها لتربية الأجيال، ذهبت هباء منثورا في مهب الرياح، ولعله من السذاجة أن تتوقع وتترجى من هؤلاء الأبناء شيئا أفضل سواء على المدى القريب أو المدى البعيد، مع أنفسهم أو مع محيطهم.

يلحظ كل ذي نظر أن ذلك يرجع بالأساس إلى غياب الوازع الديني لدى هؤلاء، وكذا خلل في منظومة القيم التي أصبحت منهارة أو كما يطلق عليها سيجموند باومان سائلة وأصبحت الروابط والعلاقات الإنسانية هشة، وكذا الانفتاح على الثقافة الغربية ساهم بشكل ليس باليسير في التغيير والتحول الذي طرأ على بنية الأسرة، حيث انتقلت من الأسرة الممتدة التي يسود فيها العطف والتعاون والتضامن إلى الأسرة النووية القائمة على الأنانية والكراهية والحقد والحسد.

لا بأس أن أقرب الصورة أكثر من خلال ما سمعته وعاينته أثناء تواجدي داخل أسوار هذه المؤسسة، أثناء تجاذبي لأطراف الحديث مع أحد النزلاء دون أن أسأله عن علة تواجده هناك (تفاديا للمضايقة وكذلك رجوعهم إلى آلامهم الماضية، لأن الهدف إدخال الفرحة على وجوههم وليس العكس)، أخبرني أنه يتواجد في ذلك المكان فقط لفترة مؤقتة، لأن ابنه سيقوم بهدم منزله وإعادة بنائه من جديد، آنذاك بعد انتهاء الأشغال سيصطحبه ابنه إلى المنزل الجديد، والأب المسكين يعيش اليوم على أمل أن ابنه العاق سيأتي يوما من الأيام، في حين أن ذلك ليس سوى خداعا وتلاعبا بمشاعر الأب الفقير، الذي لا حول ولا قوة له، ففي تلك اللحظة بالذات تسمرت في مكاني مصدومة كأن تيارا كهربائيا عبر جسدي، لم أبح بشيء ولم أحرك ساكنا، إلا بعد مرور دقائق معدودة، إنه لأبشع صور العقوق؟ وهذا فقط غيض من فيض وقليل من كثير، لكن مهما اختلفت الأسباب والملابسات إلا أن النتيجة تبقى واحدة.

أعينهم جميعا تترقب بين الفينة والأخرى باب غرفهم لعل زائرا دافئا يطل عليهم، وأذانهم تنتظر دوما رنات هواتفهم لعل أحدا من قريب أو من بعيد يتصل بهم، والملل يتسلل شيئا فشيئا إلى نفوسهم وأجسادهم، والفراغ يكاد يخيم على كيانهم، فالعزلة الاجتماعية التي يعيشونها بمثابة الموت البطيء الذي يحطم أرواحهم من الداخل قبل أن يقضي على حواسهم من الخارج.

دون أن أنسى أن هؤلاء النزلاء منهم من المثقفين وحفظة القرآن، وهناك من لديه صنعة كالخياطة والتطريز وهلم جرا، ومنهم من تم إحالتهم على التقاعد برواتب شهرية، غير أنهم وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها وحيدون داخل أسوار بيوت المسنين ومعزولون عن العالم الخارجي، إما إجبارا أو عن طواعية بعد تعرضهم للتعنيف وعدم الاهتمام واللامبالاة والاستيلاء على ما في ذمتهم من أموال وعقارات من طرف أولادهم، وحينها اختاروا دار المسنين كملاذ لهم يحميهم من التشرد والضياع، والمثير للاستغراب أنه انقلبت الآية: أقرباؤهم يطردونهم ولا يحسنون التعامل معهم يعتبرونهم كضيوف غير مرغوب فيهم بما تحمله الكلمة من معنى، في حين الغرباء يحيطونهم بكل ضروب الاهتمام والرعاية.

فبيوت المسنين تسير جنبا إلى جنب مع بيوت الأطفال، وتذكرنا بالميلاد والموت الصناعيين، إذ تسود في المكان الراحة وينعدم الدفء والحب والحنان، وهذا ما يتعارض ويتناقض مع المبادئ الأسرية ويضربها عرض الحائط، وهما نتيجة مباشرة لغياب القيم الدينية والثقافية، وبينهما ملمح ورابط مشترك هو العلاقة الأبوية: ففي دور الأطفال يتواجد أطفال بدون آباء، وفي دور المسنين آباء بلا أبناء. لكن رغم كل ذلك فالبسمة لا تفارقهم وتظل مرسومة طوال الوقت على وجوههم، يخفون وراءها نوعا من الحزن العميق والكآبة التي تظهر بشكل جلي في أعينهم، نظرا للصعاب والآلام التي تجتاح جسدهم وتملأ جوارحهم، وفي لحظة الوداع الكل يتوسل أن تكون زيارة أخرى عما قريب، والجميع يلوح بأياديه، وهناك من يرافقك إلى المدخل الرئيسي حتى يغلق الباب أمام وجوههم ويغيبون عن الأنظار، لكنني أعلم علم اليقين أن الله معهم، فالعبد المؤمن المبتلى دليل على محبة الله له، قد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن صبر فله الصبر، ومن جزع فله الجزع.”

فالبر بالوالدين كان موضوع آيات قرآنية، حيث جعل الله عز وجل البر بهما مقرونا بالإيمان به تعالى، فمن بر بوالديه وجد السعادة في الحياة الدنيا فضلا عن الآخرة، وأدخله الله تعالى أعلى الجنان مع النبيئين والصديقين والشهداء، لقوله عز وجل: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء: 23]

وملاك القول، بروا آباءكم يبركم أبناؤكم، فكما تدين تدان، لذا لا تغرنكم حياتكم الحالية سيأتي عليكم يوما ويتخلى عنكم أبناؤكم في نهاية المطاف، وبالتالي كن وفيا لهما وأحسن إليهما قبل فوات الأوان في يوم لا ينفع فيه الندم، لأن ذلك دين وفرض عين عليكم من رب العالمين.

1xbet casino siteleri bahis siteleri