دروب الحياة

1

تغدو الأيام مسرعة قاسية بلا هوادة، فتتعب أرواحنا المحملة بالخيبات بلا رحمة، تذرف القلوب على إثرها دموع التوسل، مناجية إياها اللين والرفق. ترسو سفينة الشتات على ضفة دماغنا، فتحجب عنه أمواج التفكير التي تداعب خلايا العقل الحكيم. تحلق الأماني في سماء الترجي على هيئة سروب أمل لا ينقرض ولا يندثر، بينما تمطر غيوم التفاؤل أحلاما وردية، تزهر على إثرها براعيم اليقين في ربيع الظن، فتعزف النفس سيمفونية رضى واطمئنان، لترقص الروح مطمئنة فتبلغ قمة الاكتفاء وتصل حدود الارتياح والقناعة المنشدوين.

نجوب درب الصداقة، باحثين عن نظيرنا الروحي، ذاك الذي يبادلنا الاهتمام والحب والوفاء، شبيهنا الذي لا يتغير بتغير الزمن، ولا يتقلب وُدّه كتقلب الشمس في الشروق والمغيب، ذاك الفرد الذي يشاركنا نفس الشغف والشعور، ذاك الذي يُربي حبنا أضعاف مضاعفة مما نعطيه، ويزيد عن الإخلاص ضعف ما نهديه…ذاك الذي لا يشاركنا فيه أحد، نكون ذراعين لنفس الجسد، حين يغيب تسوَدُّ دقائقنا، أما الأيام فلا يمكن أن تفرِّقنا…لا نحتاج من يملأ بنا فراغه، أو يُمرر بنا دقائق استراحته في غياب نظرائه الآخرين، الذي يمتلك ثلة من الرفاق والأصدقاء، نكون أمامهم أشياء ثانوية، أو احتياطية، أو ربما لا محل لنا من الوجود في حياته الشخصية…فالأفضل حينها أن نصادق أنفسنا، ونرافق أرواحنا. أن نحب ذواتنا ونهتم بكياننا، أن نسعد أنفسنا بأنفسنا، أن نكون عابرين في حياة الآخرين، ثابتين في أنفسنا لا نتغير بمرور العابرين، ساعتها سنغدو سالمين معافين من الكدمات التي يخلفها الثابتون العابرون…أولئك الثابتون شهورا وشهورا، العابرون إلى الأبد دون عودة أو رجوع.

في درب الحب، تختلف الوسائل والغاية واحدة، أن نجد شريكنا ونصفنا الآخر، ذاك المفتاح الذي يفتح قلبنا وتأوي إليه أرواحنا، نكمل بعضنا البعض متغاضين عن عيوبنا، يساند أحدنا الآخر في ضعفه فيكون مصدر قوته وإلهامه، لا نقبل الهزيمة ما دمنا نتكئ على بعض، وإن فقد أحدنا عزيمته يكون الطرف الآخر من يشحنها، وطن وكلانا لاجئين دونه، حضن يسعنا ولا يسعنا الكون دونه…ذاك النصف الذي نكمله ويكملنا لنصبحا جسدين بقلب واحد، ذاك الذي يحوي ضعفنا، ينير عتمتنا، ويزرع وردا في جانبنا المظلم ليغدو مزهرا، يعبق بعطر الياسمين ورائحة الحب الخالص، بينما ارتوى بالإخلاص الطاهر، وأشرقت فيه أشعة الوفاء الأبدي…أما ذاك الذي يبدي ضعفنا للعلن، ويعري جانبنا المظلم أمام الملأ، فيروي تربته بماء الغدر العفن، ويحجب عنه النور بغطاء الأنانية والغرور، من أجل الرضوخ لسلطته والاعتراف بدونية الذات والكيان، فذاك وجب رجمه رجما بالبعد، وقذفه قذفا بالتحرر من كبته وعدم الخنوع لنرجسيته.

نلقي نظرة خاطفة في درب الرضى، فنجد أبواب القناعة متألقة في أبسط حلتها، حيث تتزين نوافذ القبول بستائر البساطة الأنيقة، بينما توسدت زخارف الخير جدران الأيام الباهتة.

مقالات مرتبطة

تشرق الأنوار في درب الإيمان، فيتعالى همس السكينة نحو الأفق، مغردا بلحن شجي معزوفة سمو الروح لدرجات الاطمئنان، حيث ترقى الذات صوب التصديق، ملهمة يقين الفؤاد أن يظل شامخا أمام الأقدار بخيرها وشرها، فلا يغريه خير دائم ليجحد النعمة وينسى شكرها، ولا يقنطه شر عابر ليتأفف من حال دوامها محال، بينما الحل استغفار وصبر إلى أن يتجاوزها.

في درب العطاء تتغير المفاهيم وتنقلب الأدوار، كل متوقع آت، بينما اللامتوقع يسبح في تيار التقبل وفرض الوجود من أجل تفنيد نظرية طال أمدها، وظُلم أهلها.. فاقد الشيء يعطي ببذخ راجيا اغتناء، بينما مالك الشيء يبخل في العطاء خشية إملاق…زهور الكرم تتفتح في بستان الغني ونبتة الفقير، بينما يروي شلال الجود قلب الصغير والكبير، فن السخاء لا يبدع فيه إلا من كانت له نفس شريفة، وعين كفيفة، ويد عفيفة…الأولى تعطي ولا تمنن، والثانية ترى ولا تبصر، والثالثة تُقبل ولا تستكثر.

الحياة دروب عديدة ومختلفة، نجوبها بأمل لا ينقطع، بينما تحلق الظنون في فضاء الحُسن، وتتحول يرقات التفاؤل لفراشات تطير بأجنحة الصبر والتحمل لتعلن عن نهاية بداية طال أمدها، واشتد بلاؤها، ولم يدم بقاؤها، شر أزيح بلمسة لطف، وسوء أزيل بنفخة رحمة، وكرب كالغسق اشتد سواده، قبل بزوغ فجر فرج كان قريبا وزاد قربه…حياة حاؤها حزن وحبور، ياؤها يُسر ويُمن، ألفها ائتلاف واختلاف، وتاؤها تخيير وتسيير…فاصبر على ما شئت وما لم تشأ، عسى الشر فيما شئت والخير فيما لم تشأ.