دواؤك فيك وما تبصر

من منا لا يريد أن يكون الأول وفي المقدمة، المتفوق في كل أعماله ونجما يسطع في ميادين مختلفة، من منا لا يكره أن ينظر له الٱخرون نظرة احتقار أو دونية، من منا لا يضع نصب عينيه هدفا أو أهدافا يسعى لبلوغها جاهدا فيعطي كل ما يملك من جهد ووقت واهتمام؟
لكل منا قصص نجاح وفشل أيضا…أجل أنت يا من تقرأ هذه الكلمات تسترجع أياما عصيبة مررت بها حتما، فتحس بذلك الشعور القديم كأنك تتذكر أكلة اعتدت تناولها صباح مساء، فمع كرهك لها لم تكن تستطيع توفير أحسن منها أو غيرها، فمازال ذلك الطعم الكريه لم يغادر حسك عند استرجاع تلك اللحظات، أو مازلت تعيشها وتعمل على السير قدما وفعل المستحيل لتغيير ظروفك، فأنت الٱن كالسائر ليلا يدعو الله أن ينور ضوء القمر طريقه فلا يضل.

إن المحن التي نبتلى بها تأخذ من الإنسان جل طاقته ليتحملها أولا، ثم يتناساها ثانيا فيحاول تغيير أوضاعه والنهوض من جديد في الخطوة الثالثة.
لكن الأصعب هو تذوق الإنسان طعم الفشل مرات عديدة، ومحاولته الوقوف مع الصعاب المتنوعة، بعد تفوق عاشه.
حينها يفقد مفاتيح الأمل، فيصبح يرى شخصا ٱخر غير نفسه التي يعرفها كلما رأى انعكاسه في المرآة، يقابل خطوب الحياة التي تغير مجراها بدهشة، بحسرة و بخوف كبيرين من الغد القادم، كالواقف أمام جمهور عريض جاهلا نص المسرحية.

ينظر لعيون كانت ترى فيه البطل، أسى واضح، فلا يحتاج كلمات للتعبير عنه. فيومئ برأسه لكل ما يقال، لكنه في حقيقة الأمر لا يعي حقا ما يدور حوله، فبسبب قساوته على نفسه لينسى ما حصل له ومحاولة تناسيه حقيقة فشله أصبح كالمغشي عليه، غريب الطبع فلا يعير اهتماما لأي شيء. يقول في نفسه: “متى ينتهي هذا الكابوس المرعب فأرجع لحياتي العادية؟”
فعقل الإنسان حينما يكره واقعه ويعجز عن تغييره، يحيله إلى حالة أشبه بالوهم فيتصور كل ما يدور حوله هو كابوس سيتيقظ منه.

للأسف يندر من يصدقك المشاعر وبالتالي اعتماد صداقة ٱو أي نوع من العلاقات كان، في اجتياز محنتك، غالبا ما يكون إهدارا لوقتك.

فيكتشف الإنسان فجأة أنه محاط بعدد كبير من الممثلين البارعين، همهم الأول والأخير أن لا تصبح أفضل منهم يوما، فيلبسون قناع الحب والود فتتسم في مخيلتهم بأقصى درجات السذاجة.

الاعتقاد والايمان أن الحب، والصداقة، والإخلاص، والاحترام والورع وغيرها من المصطلحات راسخة في الأشخاص، فيدركون تماما قيمتها ومعانيها الواضحة والخفية، أصبح ضربا من الكماليات والتخيلات الأفلاطونية، فليس لها أثر في حياتنا اليومية الحقيقية؛ لأن الحياة تظهر لنا يوما بعد يوم ما يجبرنا على أن نستفيق من هذه الهلوسات.

في الحقيقة، لا نعي درس الحياة من الوهلة الأولى، فكلما نصدم بحقيقة أفراد معينين، نتعذر بأننا أخطئنا الاختيار…للأسف لا نحاول الاعتراف بأن العلة فينا، فما نحن بمبصرين.

دائما ما نلتزم بالصدق والوفاء، فنصبح إذن ذلك الكتاب المفتوح أمام الكل، ونبدي مشاعرنا بكل صدق دون تصنع أو افتراء. مما يجعل ردات فعلنا حادة في اغلب الأحيان.

يجدر بالإنسان أن يوقن بأن الثقة توزن ذهبا، فلا نعطيها لمن نشاء، لكن الثقة في الحقيقة تكتسب، وأن الصفح أو الاعتذار يتقاسم ولا يأتي دائما من طرف واحد فتميل الكفة، وبالتالي تضيع قيمة الشخص مهما كان صادقا أو مميزا. فأي نوع من العلاقات، تحتم التشارك الذي يضمن الاستمرارية.

وأبسط الأشياء التي تقوم عليها العلاقات بين الأفراد، وأبرزها هو الاهتمام، لا يطلب بل هو من الأساسيات التي لا غنى عنها، لأنك إن قمت بطلب حقك البديهي تصبح وضيعا والطرف الأضعف.

إننا نكون علاقات لنحيا بسعادة ونقوي أنفسنا لمواجهة الخطوب، لكن تحملك عبء إساءة الطرف (أو الأطراف) الٱخر (الأخرى)، يجعل من هذه العلاقات علة تنخر سعادتك وصحتك العقلانية وكذا الروحية.

قلائل هم من يستحقون قطع صلة كانت تربطهم بأشخاص احتراما لعدد من الأسس التي لا يعيها الكثيرون، مع أنه مستاء. لكن يجب أن نسائل ذواتنا ”أإذا كان فلان مكاني، هل سيقوم بما أنا فاعله الٱن، ويلاقاني بنفس إحساني؟” لا أظن.

مجتمعنا اليوم، على الأقل بنسبة كبيرة، يحب المنافقين والمفترين، يعز المتكبرين، يتسابق للحصول على أصحاب المظاهر الخادعة، يضرب كل أنواع العلاقات مهما طال أمدها عرض الحائط دون مراعاة، فكثر هم من ينطبق عليهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ)) رواه البخاري، ومسلم.

ويصفون كل شيء ب ‘’العادي’‘، فبهت معنى مصطلحات أصيبت بكل أنواع التدليس وأصبحت تستعمل دون إدراك لثقلها.
لا أقصد الاستثناءات، أناس تفتخر بهم، يعون قيمة الصدق ويلامس الإنسان مع مرور الأيام حقيقة معدنهم. فتراهم مهما بعدت المسافات وطال اللقاء، يتذكرونك. وإن احتجت النصح، ينصحونك. فإن حققت ما تطمح له، هنأوك. وكانوا معك يوم فرحك كيوم ألمك.

نجاحك لا يتوقف على عدد الأشخاص المحيطين بك أو معارفك، لا يتلخص في مدى جاذبيتك وكذا مظهرك، لا يكتسب بعدد المتابعين بمواقع التواصل الاجتماعي، ولا يدرك بمدى تفوقك الدراسي…إن النجاح لوصفة يعجز الملايين عن إدراك مكوناتها، فتضيع بهم السبل ليتبعوا الأشياء العابرة.

ما الحل إذن؟ هنا يكمن السر، أي كيف يخرج الإنسان ذاته من هذه الزوبعة المحطمة، خصوصا إن امتزج فشله الدراسي أو العملي كما ذكر سلفا بفشله العلاقاتي، فيغرس فيه من جديد زهرة التفاؤل ليحول رماده لأرض خصبة تعطي الكثير.

إن النجاح ليطرق من باب واحد، وهو التوكل على الله وحده عز وجل، حيث يهمل الإنسان دعاءه ويبتعد عن قبلته، حتى يدرك أن دواء تلك الهموم والثقل الذي يرافقه هو ذلك الخيط المتين الذي يربطه بخالقه، فيشتكي له سوء حاله…فهو من أنعم عليه بالأيام الرغيدة التي أمضاها، وهو معه أيضا في محنته، فلا يجدر ببني ٱدم إساءة الظن بربه وهو أولى بالجميل.

لكن الله يحب العبد الدؤوب المتقن لعمله فلا نجاح دون عمل. فالروح التي كانت غائصة في التفكير، واللوم والعيش في الماضي تحتاج التحرر من هذه القيود الظالمة. فلا أحد عاش متميزا، متفردا، إلا وكان له أعداء. فالبقاء مكتوف اليدين وانتظار بوابة زمنية تعيدك لأيام أحببتها…هو الجنون بعينه. ومن أرادك حقا لم يكن بتاركك تلوم نفسك على خطا لم ترتكبه.

يجب للشخص أن ينهض ويعي بأنه في سباق لتحقيق أحلامه، فالعمر يمضي بسرعة، فلا تتركن نفسك في بئر مظلمة تمضي الأيام كالساعات والشهور كالأيام دون تقدم.

هناك من يدعمك منذ ولادتك، وتعي تماما مدى حبهم لك دون مقابل، ولك رفاق درب يعرفون معدنك تمام المعرفة، فما حاجتك بمن يقللون من قيمتك، ويزيدك التفكير فيهم شؤما، ليس كثرة الأصحاب الدليل على نجاحنا اجتماعيا وتفردنا، فحقيقة تلك العلاقات وما تجلبه لنا ودوامها، فلا يستمر إلا الصحيح.

فهم كل هذه الأمور يجعلك تحس بأنك بدأت تتجاوز المحنة رويدا رويدا، فاكتساب الشخصية القوية هو شيء ليس بالسهل يأتي بالتمرس، وبالصبر وعلاج تلك الندوب التي أصابتك بها الحياة مع مرور الوقت.

فقل لكل هذه الخطوب شكرا لأنك علمتني من أكون حقا، فدفعت بي لإبصار الدواء في وخلق سعادة حقيقية جوهرها فهم ماهيتي وأن أتصالح مع ذاتي، والأهم أن أرضى بقدري.

صحيح أننا نختزل العالم فيما تراه أعيننا وما يحيط بنا، ونحزن لفقدانه ونحسب أنها نهاية العالم، لكن العالم مليء بما لم تره عينك بعد.

هذه الأيام التي جعلتنا نصادف الأشخاص الخطأ، ستمر وتصبح ذكرى سيئة علمتنا ما فينا من ثبات، وأن لا نختزل ذواتنا في نظرة الٱخرين فلم ولن يعرفوا قدرنا.
أصفح وتجاهل ولا تنسى أبويك اللذان يعملان بلا كلل ليوفروا لك كل ما تطلبه.
إذن اعمل لتجعلهم يفخرون بك من جديد، حتى وإن فقدتهم، فاجعل تميزك وصية أوصوك بها قبل رحيلهم.
فأنت يا من قرأت هذه الكلمات…ازرع أوجاعك في حقل من التجلد ونل أفراحاً.
واعلم أن أشد ساعات اليوم ظلمةً هي تلك التي تسبق طلوع الشمس.