دوامة الاشتياق

هل نظرتم إلى المرآة يوما وأنتم في حالة اشتياق؟ هل تجردتم يوما من ذواتكم ونظرتم إليها عن قرب وأنتم تشتاقون؟ هل تفلسفتم يوما في اشتياقكم هذا؟ هل تساءلتم عن ماهيته؟ حقيقته؟ كيف يكون؟ كيف شكله؟ هل هو فيزيقي ملموس أم ميتافزيقي مبهم؟ هل قارنتم بين هذا الذي تحسون به وبين ما تسمعون من الذوات الأخرى؟ والسؤال المثير للجدل في كل هذا: هل تشتاقون فعلا؟

الاشتياق ليس بالأمر السهل مع الأسف، لا يأتي ويذهب بلا بداية ولا نهاية، والأهم بلا تجسيد. عندما تشتاق يبدأ التجسيم معك تدريجيا حتى النهاية المطلوبة: عندما تشتاق لشخص بدرجة بسيطة تبدأ بالتفكير فيه، وإحياء كل ذكرى كانت لك معه، فتشرع بتناغم مع كل التفاصيل في إحياء أحاسيس ومشاعر غابرة لديك، أما إذا كانت الدرجة معقدة، فهذا يلزمك نوعا من القدرة، فتأخذ كل ما تقدر عليه للتواصل معه، لتسمع نبرات صوته، لتحس بدقات قلبه، وتدرس المتغير لديه وأنت تراقب في صمت وتسجل، فإذا لم تجد ظروف التواصل تبقى في وعكتك، وحجم ابتئاسك وطموحك للاشتياق يزداد إلى أجل غير محدد.

في زمن آخر، يأتي لا تمثيل واضح له فيذهب بسرعة ليعود مرة أخرى في وقت التفكير والشرود في أمر معين، فيحضر كالصاعقة فوق أحاسيسنا، يجعلنا في كهربة قوية ومزاج معكر. أما في حين آخر يأتي لحاله فتشتاق وأنت لا تعرف سبب الاشتياق. نعم هو كذلك.

هل حدث معكم يوما أن جربتم الاشتياق ولكن لا تعرفون حقيقته؟ لا تعرفون لمن ولمَ تشتاقون؟ في عالم العلاقات يحصل هذا كثيرا؛ تشتاقون لشخص لكن لا تعرفون من هو؟ هل كان قريبا وابتعد عنكم؟ هل هو بجانبكم وتبحثون عن حافز للاعتراف؟ أم أنكم اشتقتم له بالفعل لكن ترفضون الاعتراف لسبب من الأسباب؟ ولا أنسى الاشتياق المبهم؛ تشتاقون لرائحة بطعم خاص، للمس كان يحسسكم بالنعومة والحب، لعناق كان يمدكم بالدفء والحنان الجميل فينسيكم صخب الحياة، ربما اشتقتم لقبلة طويلة، جميلة، لطيفة كانت تحسسكم بالرغبة والانتعاش الجميل، وكانت تطربكم بنغم الحب المحض، اشتقتم لقرب من قريب كان يحسسكم بالأمان والهوى الجميل.

آه من هذا الإحساس الوقح! إحساس جميل، حقير، غالبا ما يوقع المشتاق في شباكه اللعينة، يحسسك بالوخز والعذاب من البعد لسبب الاشتياق، يلعب على وترك الحساس، يحسسك بالفقدان والضياع والألم ويفرض عليك الفراغ ويرغمك على البحث. فترتكب في حق نفسك أبشع الجرائم؛ إذ تشرع في البحث عن المختفي، والغائب، والمبهم والبعيد. فإذا وجدته تعترف له بذنبك، فتحس بالراحة والطمأنينة اللحظية كأنك عدت بعد يوم طويل من عمل شاق. فتتمتع بالراحة وأنت على وعي بذلك. هذا إذا كان القبول واضحا؛ لكن ستظل دائما في دوران فارغ لدوامة لا تنتهي، ولاشتياق لن يفارقك مع غائب حاضر. أما إذا كان الرفض واضحا وكانت أسوار قصرك غير محمية، وبرج مراقبتك ميت فستكون مركز جذب للغصة والحزن، سيتخذ من قلبك مكانا يترعرع فيه ويتفرع، ستضطر لحبس اشتياقك الجاحد في سجن مظلم قاسٍ لا طعام فيه ولا مشرب، سينام بلا غطاء فيموت من قساوة البرد.

نعم سيموت اشتياقك؛ لكن أسفا فهو ممثل بارع يتظاهر بذلك، ويوهمك بضعفه ليعيد التكرار مرات عديدة. الغبي لا يتنازل، يعود للطلب في كل فترة راحة، في كل خلوة ذاتية ليجرب حظه، هكذا عاش وسيعيش آخر أيامه في دولاب مغلق ويرغم على المشتاق دوامة الاشتياق المريضة. أما إذا انتهى بك البحث في بر خالٍ من الأمان، فالأمان في الحسرة والتبرم حتى يشفق عليك حزنك القاسي فتستعيد حياتك.

الاشتياق حقيقة؛ إحساس يلعب عند كل مشتاق دورا مختلفا عن الآخر، مرة يكون بطلا قويا جميلا يعطي للمشتاق ما لا يوزن بالذهب ولا بالفضة، ومرة يكون عدوا قبيحا، شيطانا لا بد من تدريس عاداته المريضة وتقوية جيش الحماية. عامة إذا دخلتم دوامة الاشتياق مع الاشتياق الملموس والمبهم: لحظات، وكلمات، وروائح وذكريات. فأنتم مع كامل الأسف لم تشتاقوا لهم كسبب رئيسي محض وثابت، لا أبدا، فقد اشتقتم فقط للإحساس الغابر، اشتقتم لإحساس كان نتيجة عن وجودهم في حياتكم، لإحساس كنتم تتذوقونه طعمه العسلي عندما كانوا بجانبكم، اشتقتم لإحساس لحظي.

في الغالب، عند تلبية رغبة اشتياقكم هاته ستنتهي وتذهب، فيعود الحال إلى حاله. لا تتركوا رغبة الاشتياق غير ملباة، احكوا ذلك، وعيشوا اللحظة؛ حتى وإن لم تصلوا لحد التلبية المطلوب لا تكونوا واجهة استقطاب سهلة، فدوامة الاشتياق غير سهلة.

1xbet casino siteleri bahis siteleri