رجل نيويورك

1 1٬282

نزلت من شقتي ووجدته أسفل باب الإقامة ينتظر بسيارته الفاخرة. صعدت، وسألني متفاجئا: “أين حقيبتك؟”، استغربت وانا أجيبه : “حقيبتي؟”، فرد : “ألم نتفق أننا سنذهب إلى نيويورك؟”.

تذكرت أنه أخبرني بالأمر لكني نسيت، فخبر مقتل والد وأخ زميل سوري جعلني أتذكر فقط واجب العزاء الذي علي التهيؤ له في اليوم التالي، لكن صديقي وكان أمريكيا من أصل مغربي كان مصرا أن نفي بالإتفاق ونذهب إلى نيويورك، وقدم كل الوعود لإرجاعي إلى ولاية فيرجينيا قبل الموعد المفترض لتقديم العزاء لزميلي، وحين وجد مني اصرارا على الرفض قال لي بوجه حزين:

أرجوك، إنه يوم عيد ميلادي وأريد ان أمضيه في نيويورك، إنه أول مكان وطأت فيه قدمي منذ 30 سنة في أمريكا، أريدك أن تكوني معي وأنا أحتفل ببلوغي عامي 47 وبإكمالي 30 سنة على قدومي الى هنا، أعدك اني سأرجعك ساعة قبل موعد تقديم العزاء.

عيناه اللتان أطلتا بنظرة فيها الكثير من البراءة محت نظرة رجل الأعمال الثري التي لم تكن تفارقه جعلتني أخفف من إصراري و أوافق على الذهاب إلى نيويورك في تلك الليلة الباردة المظلمة من شهر أبريل 2014.

by-Javier-Salguero
اعتلى الفرح محيا صديقي، وانطلق مسرعا بسيارته الرانج وهو يكرر وعده بأنه سيرجعني باكرا، كانت اربع ساعات تفصلنا على الوصول الى نيويورك، وكنت ملتهية في موبايلي حين تحدث فقال:

“كنت صغيرا حين انفصل والدي عن والدتي، كان والدي مهندسا، موظفا كبيرا في ذاك الوقت، وكانت أمي امرأة بسيطة، تزوج والدي، وتزوجت والدتي، وبقيت أتأرجح بين الاثنين ولم أتذوق ما يكفي من حنانهما وأنا الطفل الصغير، وحين بلغت 17 من العمر أتاني زوج والدتي بتذكرة ذهاب بدون عودة الى أمريكا، أمدتني والدتي ببعض من المال وقالت لي ما لم انسه يوما “لا أريد رؤية وجهك هنا مرة أخرى”.
وصلت إلى نيويورك، كانت أول مرة أغادر فيه بلدي المغرب، تلقفتني أيدي مهاجر مغربي كان يسترزق من اصطياد القادمين الجدد من مطار نيويورك بإسكانهم في شقته بمقابل مالي، كان الشاب ثلاثينيا وكان يستنزف ما لدي من نقود قليلة وضعتها والدتي في داخل جيب بالجاكيت وأقفلت عليه بخيط سميك. بدأت نقودي تنقص وكان علي تدبير عمل ولم أكن أعرف كلمة بالانجليزية. خرجت ذات يوم وبدأت أجوب شوارع نيويورك باحثا عن عمل حتى وجدته عند باكستاني يملك حانة، عملت فيها نادلا، هناك التقيت بمن ستصبح زوجتي الأولى، كانت شابة أمريكية من أوروبا الشرقية تكبرني سنا، تزوجتتني لتساعدني. وبالفعل، ساعدتني في الحصول على الإقامة وأوصتني أن أول ما علي فعله هو أن أتعلم اللغة. وسجلتني في معهد للإنجليزية. بعدما بدأت آلف الحياة في نيويورك انفصلنا عن بعض، كان طلاقنا وديا، كما كان زواجنا. بعهدها، تركت العمل في الحانة، وبدأت أبيع الهوت دوغ وهذا ما يلجأ إليه كل مهاجر جديد هنا.
كانت العائدات لا باس بها، لكني إلى الآن أشعر بذاك البرد النيويوركي الشديد الذي كان ينخر عظام رجلي وأنا اقف ليلا في السكوير تايم أبيع الهوت دوغ بيدين ترتعشان بردا.
أربع سنوات قضيتها في نيويورك، ذقت فيها المرار كان يزيد من مرارته اهمال والدي لي، ووالدتي وهي تقول لي”لا اريد ان أراك هنا مجددا”. كانت حياتي صعبة في نيويورك. ذات يوم قررت الرحيل الى جوار واشنطن العاصمة فاتيت الى فيرجينيا. هناك، التقيت بمن اعتبره عرابي، إعلاميا آمريكيا ساعدني في العمل في مجال أحببته “تقني سمعي بصري”، كنت أدرس وأعمل، وحصلت على شواهد فيه، عملت مع إعلاميين أمريكان، ثم أسست شركتي الخاصة وبدأت أشرف على تجهيز الملتقيات والمؤتمرات بما يلزم من كاميرا وميكروفونات وغيرها، تطور عملي، أصبح لدي زبناء من جهات لها وزنها، أصبحت أشعر أني قوي، وكان ينقصني أن يكون لي عائلة، عدت إلى المغرب و أحضرت أختي، طلقت والدتي من زوجها الثاني والذي كانت تعاني معه الأمرين، فتحت لهما محلا تجاريا بأفخم مركز في فيرجينيا، واختارت لي امي زوجة لتكون أما لأبنائي، لكن علاقتي بوالدي ظلت منقطعة. أنا الآن وبعد 30 سنة من نفيي في أمريكا أشعر أني حققت ما لم أستطع ان أحققه في المغرب. أحب أبنائي حبا شديدا، لكني دوما أشعر أني أحتاج للحب، ففي زواجاتي الاثنتين لم أعرف الحب ، ولا زلت إلى الآن لا أعرفه ! أحس بألم شديد من الحرمان منه، وكلما اشتد بي الألم كلما دفنت ألمي في العمل والعمل، هنا الناس ماكينات عمل، والماكينات محرم عليها الحب!

 

sad-man-with-umbrella-walking-in-a-lonely-street-digital-art-artwork
كنت أتابع حكايته بصمت كبير، كانت قصته مؤلمة جدا وأنا أتخيله صغيرا لوالدين مطلقين، وأنا اتخيل والدته تخبره ألا يعود الى الوطن، كانت الدموع تغرق وجنتي وكان الظلام يداريها، وحين تحدثت حاولت أن يبدو صوتي صارما، قاسيا، غير آبه، كما اعتاد أن يسمعه، واعتاد ان يضحك وهو يراني أحدثه في قسوة فيقول: “قسوتك مزيفة، أنت أكثر النساء في من قابلت جنونا وطيبة”.
في السكوير تايم بنيويورك، وقف يلتقط لي بضع صور، وحين حلت الثانية عشرة ليلا، نزعت عني القناع، وبابتسامة حشوتها بكل ما أوتيت من حنو قلت له “هابي بيرث داي”، ابتسم في خجل، وكأنه خجل ذاك المراهق الذي قذف به منذ ثلاثين سنة إلى الأراضي الأمريكية، أرض الهاربين بأحلامهم والآمهم، ابتسم وقال لي:

“أنا ممتن لك، أعرف أنك تريدين الرحيل عن هنا والطيران الى مكان آخر، سأفتقدك بشدة، لكني سأذكر دوما أن هذا أجمل عيد ميلاد أقضيه، لأنك كنت معي هنا، في المكان الذي جعلني ما هو أنا عليه الآن”.