رحلة إلى الخلد لا إلى العدم!

في الثامن عشر من نيسان من العام عشرين عشرين 2020، كانت خيوط الفجر الأولى قد لاحت، والقلم لا يزال منعقد الحركة بين أصابعي، لا أراه ينوي أن ينبس ببنت شفة، فلا هو استطاع تحريري هذه المرة، ولا كان بمقدوري أن أدعه، غير أن صمته هذه المرة يوحي…نعم يوحي إلى أن ثمة شيئا ما، بل ربما أشياء يحملها في جعبته، لست أدري إن كان يدري أو ربما لا يدري كم أعشق أن أصب في أذنيه شبق ذاكرتي المتعبة.

كان في عيني توسل ورجاء بارزان للعيان؛ كأنما أناشده أن يظل بجواري وألا يتركني في عالمي لوحدي، لكن ما باله؟! أتراه سئم من الكتابة عن متاهاتي الدفينة وأشيائي الصغيرة بتفاصيلها المملة؟ ألن ينفذ هذه المرة أيضا إلى داخل قلعتي ليسرد ما بجعبتي؟

يا الله! إنها المئات من الكلمات المضطربة والمرهقة تنتحر على شفاهي دونما أن أتمكن من إيجاد خلاص منها! لكن مهما يكن الأمر، فلن أدع الكلمات تستعملني هذه المرة بالقدر الذي استعملتني، حتى لا أجد نفسي مرمية غارقة في اللاشيء، في اللانهائي المطلق!

جلست أفكر سرحت في متاهات الذاكرة، ثم بسطت الشاشة أمامي، لأكون أنا المشاهدة الوحيدة والمخرجة في الآن نفسه لسيناريوهات الفيلم، كانت فكرة الموت تملأ المكان علي، ليس خوفا مني أبدا، لكنها منذ زمن ليس ببعيد باتت تملأ علي كل الأزمنة والأمكنة. تسمرت من جديد في مكاني، ثم وقفت، ولطالما ترنحت جيئة وذهابا بين تساؤلات واستفهامات عج بها صدري، كانت دروب من مشاعر مختلطة تعتريني وتؤرق روحي، لم تكن فكرة الموت والانتقال إلى الملكوت الواسع إلى الدار الباقية بفكرة جديدة علي أبدا، ولا على أي أحد يؤمن بالفناء الدنيوي والخلود الأخروي. كانت تلك فطرة وغريزة من الله وضعتا في جبلتي لا باختياري وحيلتي، ربما كان للتنشئة الأسرية نصيب فيما آمنت وتؤمن به نفسي، أو لعلها الساعد الأيمن لكل ما آلت وما اهتدت إليه نفسي.

كان لي في الموت قناعات تأبى أن تنحني أمام أية رياح، ولا تقوى على زعزعتها تيارات الشك، اعتقدت فيما اعتقدت، وجود عالم أخروي ننتقل إليه بعد سقوطنا أمواتا، وبعد فراق أرواحنا لأجسادنا، ونحن في هذه الدار الفانية التي هي معبر وجسر وممر لتلك الأخرى، إنما لنلتقط الرسالة، ليصل الأمر بنا إلى العمق، إذ لا نبلغ الله عز وجل إلا عبر هذا العالم، فالموت إذن ليس عدما ولا فناء، إنما هو تغير في الحال وانتقال لنا إلى العالم الأبدي السرمدي.

مقالات مرتبطة

لكن ليس هذا أبدا ما أثار عندي ذهولا وحيرة أفقدتني أحيانا توازني. صحيح أن للأحداث الأخيرة بالعالم يدا في استيقاظ وتحريك هذه الأمواج في عمقي، غير أن الرحلة في حقيقة الأمر قد بدأت خوض غمارها منذ أزيد من عام، وكابدت شدة مرارتها، مع لذة تأتيني بين الحين والآخر. كلما عثرت نفسي المتعطشة لدرك الحقائق على كلام مسربل بالإخلاص، وكلما نظرت إلى العلم وجدته شيئا لذيذا في نفسه، ما يحملني على أن أطلبه في ذاته، وفي أحايين كثيرة تجدني أتخذه وسيلة وذريعة أتقرب به إلى من خلقني، وألتحق بأفق الملائكة، فجأة ضمني إحساس فردوسي يشبه فردوس الطفولة، بيد أن الرحلة ستطول معي أكثر مما طالت عليه، إنه بالفعل طريق شاق وعر وليس بالأمر الهين كما اعتقدت سالفا. لكن يقال حلاوة العسل لا تتضح إلا بالتذوق، فكذلك العلم لا نجني ثماره أو لا يعطينا جزءه إلا إذا أعطيناه كلنا، فحسبي ألا أقع في فخ المغالطات والمهاترات، فأظنني قد فزت بالدارين، فيصنف عقلي الصغير هذا ضمن العقول الساذجة السخيفة وضمن قلوب يملأها التعجرف والغطرسة!

للحظة بقيت مسمرة أراقب أفكاري وما يمليه علي عقلي، صحيح…لقد بدت البشرية بحضارتها، بكل ما أوتيت من علم وقوة، كفقاعات فارغة لا وزن لها أمام كائن لا يرى حتى بالعين! يا لهذه السخافة، الرجل الغربي…الرجل الأبيض…بجبروته بعظمته يحتار أمام كائن مجهري؟ أمر عجيب! لكم نحن كائنات ضعيفة! كيف لكائن متناه في الدقة أن يوقف الحياة فجأة! أن يلغي الصلوات بالمساجد لأول مرة منذ بزوغ فجر الإسلام! إنها بالفعل إرادة الله فينا، لا إله إلا هو، فتحرك باطني لهذه الحقيقة الكاملة وأدمع قلبي، التمعت العبرات في عيني وانقبض صدري وأنا أضع صورة لشهر رمضان في مخيلتي بدون مساجد. صحيح أني لم أكن ممن يقصد المسجد البتة، غير أني كنت أتحسس بفؤادي نفحات الرحمن على وجوه العائدين منه، وأخذت أخاطب نفسي، ما كل هذه الفوضى في رأسي؟ ما يبكيني؟ في السابق أيضا كنت أنتظر وأعد ليوم الممات، فما الذي استجد اليوم؟ لكني اليوم أراه قريبا مني أكثر من أي وقت مضى، يقفز أمامي بظله الطويل، أو لنقل صرت أفهمه وأنتظره على غير ما كنت أفعل في ما مضى. أدركت بعمق معنى أننا كائنات متصلة في حياتها باللامحدود، بالحياة الخالدة. فجأة سالت العبرات على وجنتي في صمت وأنا ألمس هذه الحقيقة الكاملة في نفسي، وكيف لا أبكي؟ طريق ولم أسلكها من قبل، لا أدري إلى أين ستفضي بي، كما أني أحب أن يمد الله لي في حبل الحياة لعلي أزداد قربا منه أكثر فأكثر، فرحت أتلو أبياتا لأحدهم أناشد بها نفسي وربي:

يَا مَنْ يَرَى مَا فِي الضَّمِيرِ وَيَسْمَعُ *** أَنْتَ المُعَدُّ لِكُلِّ مَا يُتَوَقَّعُ
يَا مَنْ يُرَجَّى لِلشَّدَائِدِ كُلِّهَا *** يَا مَنْ إِلَيْهِ المُشْتَكَى وَالمَفْزَعُ
يَا مَنْ خَزَائِنُ رِزْقِهِ فِي قَوْلِ (كُنْ) *** امْنُنْ فَإِنَّ الخَيْرَ عِنْدَكَ أَجْمَعُ
مَا لِي سِوَى فَقْرِي إِلَيْكَ وَسِيلَةٌ *** فَبِالاِفْتِقَارِ إِلَيْكَ فَقْرِي أَدْفَعُ
مَا لِي سِوَى قَرْعِي لِبَابِكَ حِيلَةٌ *** فَلَئِنْ رُدِدْتُ فَأَيَّ بَابٍ أَقْرَعُ
وَمَنِ الَّذِي أَدْعُو وَأَهْتِفُ بِاسْمِهِ *** إِنْ كَانَ فَضْلُكَ عَنْ فَقِيرِكَ يُمْنَعُ
حَاشَا لِفَضْلِكَ أَنْ يُقَنِّطَ عَاصِيًا *** الْفَضْلُ أَجْزَلُ وَالمَوَاهِبُ أَوْسَعُ

يا الله! كل شيء تمثل أمامي فجأة في هدوء ملائكي، فاحتميت بغطاء ثم جلست، قفز إلى ذهني مقال لمولانا جلال الدين الرومي: “لكي ينام الفيل مطمئنا عليه أن تراوده أحلام بأرض الهند، فالحمار لا يحلم بأرض الهند لأنه لم يغترب عنها يوما، أما الفيل فأصله من أرض الهند، ولذا دائما تعروه في أحلامه.”

ابتسمت في بهاء وهدوء وأنا أعيد مقالته بيني وبين نفسي، ورحت أحلم بأرض الغيب تماما كما فعل الفيل، بما بعد هذه الحياة، بالخلود، بالحياة اللامحدودة وبالجنة.

1xbet casino siteleri bahis siteleri