رسالة صديق

الإنسان اجتماعي بطبعه، لا يستطيع العيش بعيدا عن الجماعة، منعزلا في ركن غير مهتم بما يحدث حوله من وقائع وأحداث، والتي قد يكون طرفا معنيا بها في أحيان كثيرة.

تحدث غيرنا عن الجماعة في العصور القديمة عن أنها المحتضن الأوحد للشخص، بل وذهب البعض إلى أنها تلك الوحدة الاجتماعية المكونة من مجموعة من الأفراد في علاقات ذات أبعاد متباينة، لتحقيق التعايش والتضامن والتآزر بين جميع مكونات هذه الجماعة.

مع كل هذا، ثمة أشخاص يفضلون الانزواء في ركن بعيد عن الجماعة، غير ٱبهين لما يحدث حولهم. لكن، لم كل هذا النفور إن كانت الجماعة والإنسان لا يفترقان؟ بحثت كثيرا عن جواب لهذا السؤال، وفي رحلتي هذه صادفت أشخاصا من هذه الطينة؛ فضلوا الابتعاد عن كل شيء، لتناقضات هذا الزمن، حسب زعمهم، بل وقد كتب لي أحدهم يوما رسالة يقول فيها: “صديقي عمر، لم يبق الٱن إلا أن نترك الأمور على حالها، فبعد أن رفعنا مقام للكثيرين، وتجاوزنا ولمحنا بعين لا ترى، وتغاضينا عن أمور بادية للعيان، واضحة لمصلحة بئيسة ترنو وتسعى للظفر بمقام حتما سيزول، وتخفيها ابتسامة مصطنعة مزيفة، كشفت عن مغزاها منذ الوهلة الأولى، وزكتها ردود أفعال مشمئزة، لم نصادف لها مثيلا من قبل. وكان لنا أن نكون مع من كانوا يدعون علو مكانتهم ومقامهم في الأرجاء، لكن خبث النوايا ألقت بهم في التراب ضد مقامهم.

أما الصادقون المصلحون فهم على رؤوس الأصابع يقطنون، بل وتعرفهم من صيحاتهم، لالتقاطك في كل مرة تهب رياح عكس مجرى السفينة. وقد علمنا يقينا كنه الأمور، من تحفه السرور ومن بالشرور يجول. نرخي ونرخي، حتى ظن ذوو الشرور أن الوصول للمبتغى قد ولى. أما أنا، فقد كنت في كل مرة أترقب من بعيد من علا كعبه واصطنع المسير، وأمل لمن وقع من عين السجان الوفي لمفاتيح زنزانته، وهو على مشارف أن يقذف في مكانه المشهود، عله لأمر أو فعل أو حتى بابتسامته المصطنعة المقيتة، يرجع لهيبته المعهودة ولمكانه في قلب المخلصين مرتعا وحضنا دافئا.

أما أنا ففي الطابور أنتظر وحيدا، فلا ذاك ولا أنا ندوم لعقبات الزمن. فقط إن عاد يوما صديقي، فذكره بندوب الماضي وما سببته ابتسامته المزيفة”.

هذا هو حال صديقي بعد أن تجرع مرارة الغدر والخيانة من أقرب المقربين، فضّل الابتعاد والعيش منعزلا عن الجماعة. لكن لا حرج أن تفقد الطريق وتلامس المجهول، وتصطدم بالواقع ليجعلك بصيرا للعين والفؤاد. ولا بأس أن تعود إلى رشدك بعد محاولة بئيسة، واعتراف صادق لم تجد له جوابا، ولا قلبا تجد له طريقا، فحتما ستعود الأمور إلى حالها، عد إلى رشدك يا صديقي فلا أحد يبالي ولا أنت بحب الغريب تظفر. فقط ادخل في صلب الجماعة ترى من الٱخرين ما ينسيك هم الخائن، وتلتئم جراح نفسك وتتصالح مع الذات.
فالحياة جميلة حقا يا صديقي.