رمضان الذي في خاطري 2

1 897

إن الحياة كلها قائمة على مبدإ الإتزان ، اتزان القوى الفيزيائية واتزان إفرازات أجسامنا واتزان نسبة جزيئات الهواء وجميع التفاعلات الكيميائية تسعى إلى الإتزان .. فهو خاصية ضرورية للحفاظ على سيرورة سالمة وآمنة للحياة .. فالوضى لا تنتج سوى نفسها والاتزان هو البداية السليمة لكل نجاح.




ولا شك أننا بجزئينا الجسدي والروحي نحتاج لإتزان مستمر يجعلنا قادرين على الإستمتاع بالحياة وإيجاد السعادة، فلا يمكن لمريض يعاني قرحة بالمعدة تحيل حياته بعد كل وجبة لجحيم لا يطاق أن تطلب منه في لحظات ألمه تأمل منظر زهرة ندية تتمايل بفعل نسيم بحري رقيق، فأولوية أولوياته التي يهون ويصغر كل شيء أمامها كيفما كانت عظمته هو العلاج والتخلص من آلامه المزمنة. كذلك لا يمكنك مطالبة من يعيش داخل دوامة الكآبة أو التوتر أو البرانويا أن يستمتع بنغمة شجية يعزفها فنان مثقف يرتب حروفه الموسيقية برقي وعلم .. فأولوية أولويات صديقنا المكتئب أن يتخلص من السواد الذي يحيطه سواء بالعلاض العضوي أو حصص العلاج النفسي أو حتى بخزعبلات راق يوهمه أن الجن سبب محنته .. لكل أولوياته فجائع للخبز لا تغويه حلي وجواهر بل خبزة تسد جوعته وفاقد للأمان والطمئنينة لا يستهويه منظر قمر اكتمل فملء الأرض نورا وجمالا.

مقالات مرتبطة


الإتزان بين الروح والجسد هو الخطوة الأولى التي يخطوها الإنسان الباحث عن الكمال، جسد سليم معافى وروح صافية نقية .. عملية تستحق منا المجاهدة والصبر. وهو المعنى الذي يأتي به رمضان كل سنة، كفرصة لتهذيب الجسد والحواس وسلوك نحو تنقية الروح وصفائها، فكف عن الأكل من شروق الشمس إلى غروبها لا لهدف التجويع والتعذيب ولكن لهدف أنبل، تربية النفس على الصبر على الشهوات والملذات والرغبات المباحة، فكفها عن الشره وتعليمها كيفية التحكم في مطالبها وترويضها لعدم التعلق بالأشياء .. وهو كف للحواس عن النظر إلى ما يفسد ذوقها والإستماع إلى ما يسيء لنقاءها .. عمل متواصل نحو سلوك طريق الفطرة، كرما وإحسانا وتسامحا ومحبة وصفاء وصدقا وعفوا ومغفرة.. رمضان ليس شهرا لتنويع الطعام والأزياء التقليدية ولا أياما للتجويع صباحا والشراهة ليلا، وليس فرصة لملازمة آخر ما أنتجته الدراما والتمثيليات.. بل هو ذلك العلاج الذي نبحث عنه جميعا لتحقيق التوازن المراد في حياة مطمئنة. هو عودة نحو الذات لسبر أغوارها في ظل تهذيب الحواس المحيطة بها ..




لا شك أن هموم الدنيا ومشاغلها هي ردم وتدمير للاتزان كيفما كان نوعه، فالظلم والفقر والجهل وأمراض العصر الحديث من كبر وحسد وحقد وتناحر يجعل الإنسان الغارق داخلها فاقدا للاتزان في كافة شؤون حياته، فجسمه يعاني أمراضا بسبب هرمونات التوتر العالية جدا وروحه مشردة بسسب اللأمان الذي يسبح فيه دون وجهة .. يعيش على هامش السعادة جاهلا أن علاجه بيده هو لا بيد سواه. ورمضان هو الفرصة الذهبية للتخلص من الفوضى التي نعيشها باستمرار.