رهن التساؤل!

في مرحلة ما بين الماضي والحاضر، تعصف بك التجارب فتنزل اضطراريا في مرحلة أقل ما يمكن تسميتها بمرحلة النضج، يمتلك فيها الإنسانُ حياته؛ مرحلة متفاوتة الظهور تنقلك إلى أبعاد متقدمة ولكنك تنتشلها انتشالاً مبكراً، فتتغير فيها ظاهراً وباطناً، وتُستبدَل أفكارك وقناعاتك باستمرار.

ما تلبث فكرة أحييتها أن تزول وتحل محلها أخرى أكثر وضوحاً، ثم أخرى أكثر تأقلماً وواقعاً، وتظل هكذا في سباق مستمر مع التغيير. تُناقض ماضيك فتلجأ إلى العزلة، وليست أي عزلة. عزلة تتفرد فيها وتنغمس في نفسك، وتجتمع اجتماعاً مغلقاً مع ذاتك؛فتنتقدها تارة، وتمدحها تارة أخرى، وغايتك بناؤها وهيكلتها بأبهى ما تريده، في تساؤل مستمر: إن لم يكن الآن فمتى؟

تهرب من صخب الماضي وتألف روحك السلام والهدوء. تنزاح بعيداً في اكتظاظ الأماكن، وتتخذُ بُعداً خاليا في تزاحم المجالس والمحافل؛ ولو لم تكن مجبراً على الحضور؛ لفضّلت المكوث في منزلك، وأمامك كوب من القهوة ترتشف منه وفي يديك كتاب جميل أو قلم، وربما تنثر المزيد والمزيد من الأشياء أمامك طالما أنها ستبعدك من ذاك الازدحام الإنساني. لن تتابع أخبار الناس ولن يهمك أمرهم، لن تقارن نفسك بأحد ولن تسعى جاهداً لتقليد أحد، سترضى بحياتك كما كتبها الله لك، وستدرك أن الخير كل الخير فيما قضاه الله وقدره، ستبدأ في إعادة ترتيب أولوياتك تتصالح مع ذاتك مع كل ما فيها من عيوب ونقائص، ستعتني بنفسك وتدللها وتدرك أنها جديرة بالحب والتقدير.

ومن ثَمّ؛ تبدأ ملامحك في التغير تماماً، لا أعني ملامح الوجه بقدر ما أعني الملامح الجوهرية والسمات الشخصية، ينخفض مستوى انبهارك واندهاشك بما هو مبهر ومدهش، وتبتعد أميالاً عن كل مسببات النزاع والمشاكل. لن تعطي الأمور التافهة أكثر من قدرها ولن تدخل في جدالات لا جدوى منها. تتمالك أوتار غضبك فيما لا نفع فيه ولا فائدة، وتُشحذ بالحذر فيما تختاره وتقر عليه، ترفض السلبية ومشاعرها، وتدرك أنها وهم يغشى الإنسان فيأخذ متسعا منه.

تريد لحياتك أن تنعم بذات الهدوء الذي يجتاحك، والإنجاز الذي تبتغيه روحك؛ فتبتعد عن الألم المعلوم، واليأس المحسوس، والفأل المشؤوم. ستدرك أن الحياة الكريمة، تحتاج فقط قلباً طاهراً نقياً وبالاً مطمئناً، وأن التكييف مع الظروف هو أحد أهم أسباب السعادة.

ولا تزال الخفايا والدروس كثيرة، وحكمة ذلك بلا شك عظيمة. فلتقرأ السلام على تجارب أنضجتك وعبرت بك الزمن متجاوزة عمرك الزمني، وإن خرجت منها أشعث، أغبر، منغلق الفؤاد؛ وسيأتيك الشفاء يرافقه زائر أبدي المكوث، زائر يرتدي ما اكتسبته أنت من التجارب، فيصبح فيك مقيما يعيد بناءك بقالب مختلف، ويفتح أبواباً يتفاوت بينها عمرك العقلي، والاجتماعي والوجداني مقابل عمرك الزمني. فتتناسى أحياناً ما مررت به، وتتساءل في أحايين كثيرة: هل ظفرت بهذه المرحلة حقا، وتبقى لذاتك رهن التساؤل!