زنزانة العولمة

حين سيرن منبه الغفلة ونستيقظ من سبات عميق أو بالأحرى من خمول قوانا الذهنية، سنكتشف حينها أننا أغفلنا مواعيد قطارات شتى؛ قطار العمل، وقطار المطالعة، وقطار رضا الوالدين، وقطار الدراسة والشهادات العليا، وقطار حفظ القرآن، وقطار الاستكشاف والبحث العلمي، وقطار الحياة بمجمله بزاده وذخيرته، ولا زلنا مكبلين بسلاسل العولمة والعالم الافتراضي والعلاقات السطحية، نحمل بضع أمتعة من زهد العلوم واللغة والدين.

لو كنا استثمرنا التكنولوجيا في معالجة ضعفنا الديني وانحصار توسع مجال معرفتنا العلمي، ووهبنا ذلك الكم المروع من المتابعات والأصدقاء في تبادل ثقافات، وتصحيح شائعات واكتساب لغات، كنا على الأقل ارتقينا درجات بموجة العولمة والتكنولوجيا، غير أننا أصبحنا عبيد الهاتف، نتحسسه كل صباح وننثر كلمات السلام على ساكنته، نتجول أزقته بين عالم أزرق وأخضر وأحمر، ثم ننتقل لالتقاط صور معدلة تشفي جروحا وليدة ضعف ثقة وشخصية، اكتسبناها هي الأخرى من خلال لوحات ومشاهد مزيفة قدمت لنا من جيراننا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، “سكان الوهم والافتراض”، ممن ندقق في عتمة صورهم، ونمعن النظر لنكتشف المتخفي، وندقق بسبب نزوة البحث والاستكشاف، نصاب بنوع من الطمأنينة حينما نتخطى المجهول، لكن تظل تلك الطمأنينة عابرة؛ فهي لا تكشف عن سريرة الروح، ولا عن كنه العقل، تلك العلبة التي يجتاحها خليط من النور والظلام، أفكار وليدة شهور وأعوام من التربية، والتعلم، والمخالطات والصدمات.

حقيقة الأمر ومر طعمه تتجلى في كوننا لا نتوصل من خلال هاته الصور إلا تلك القشرة السطحية من الشخصية والعمق مجهول، ويظل مجهولا إلى أن يكشف بالحوار والمخالطة. نعم، نحن لا نربح من مواقع التواصل الاجتماعي سوى فرضيات تقبل النفي كما تقبل التأكيد.

شبح الوهم يطاردنا بمجرد تركيبنا للرمز السري الذي يستهل هواتفنا، والقليل من يسيطِر عليه والكثير من يسيطَر عليه، ثم يلتهمنا لنهضم بعد صراع من المقارنات ودوامة من الإكراهات.

هل تظنون أن الوجبة كانت متكاملة وكافية؟ لا، ليس بهذه السهولة، لذلك ننتقل لتبادل الحديث مع أقوام من السكان الافتراضيين، يعبرون كما يريدون عن حياتهم الخاصة دون ذكر للنواقص، وها قد هتف آذان الظهر ولحقه آذان العصر والمغرب، ونادى الأخ والأب والأم بغية الالتحاق بهم، ولا مجيب.

انحصر العبد في بضعة أمتار من العزلة والوحدة، وكبل بقيود من الأسلاك الشائكة لم ولن يستيقظ إلا بعد لدغة صعقة كهربائية تبشره أنها انتصرت عليه وأن حياته مرت وولت، فيصطدم بقواه التي خرت، وطاقته التي استنزفت، وعلاقاته التي زالت، وشبابه الذي اضمحل وأهله وذويه الذين غادروا، وأخيرا، قطار الحياة الذي انصرف.

هنا، أذكر نفسي وإياكم بالحديث النبوي: رَوى ابنُ حِبَّانَ والترمذيُّ في جامِعِه أنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ: «لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ عَن عُمُرِه فيما أفناهُ وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَه.» حينها سيقال “غادر فلان”! تلك العبارة التي تنفث في روع الإنسان بحر مشاعر تتلاطم أمواجه بين العلو والإسفاف من حيث الفزع والرضا، إزاء تضخم مفاهيم تراكمت وتصلبت حتى أصبحت مسلمات تحشى في الحلوق حشوا يقبض الأوداج ويحبس الأنفاس. لكن، ماذا عن “مر فلان بحياة زاخرة بالعلم والجد والكفاح”؟ عبارة تتلجلج بالأنفس لتسقي كل متشائم قطرات من الأمل والاستقرار النفسي.

في الحقيقة، الفرق بين العبارتين يتجسد ببساطة في الفرق القائم بين شخصين، أولهما جعل الحياة دمارا والآخر اتخذ الحياة استثمارا. وأعمق الحقائق، تلمس في أبسط المفاهيم، وعليه، حياتك كتاب يحق له الاختلاف بين بني البشر من حيث الغلاف أو جودة الأوراق (بين غني وفقير)، لكن القلم دائما بيد مالكه، وهو الجدير بملئه، والمسؤول عن مضمونه؛ إن كان المالك قليل العلم والتعلم، كان مضمون كتابه بخسا، وإن كان مالكه يحصر يومه في بضع سويعات بين منبه الاستيقاظ ومنبه استعداده للنوم من جديد، كان المضمون وجيزا، وأما إن كان صاحب الكتاب مداوما على الإفادة والاستفادة وكثير السؤال والاستكشاف، كان مضمون كتابه عالما من البحث ومغامرات لا نقطة نهاية تلاحقه، ولا فراغا يطارده؛ لأنه، أساسا، لا يترك مجالا لشبح الفراغ في ترهيبه، بل يصوب عليه بسلاح المطالعة، والعلوم، والبحث، والدراسات.

وعليه، لا تغادر فارغا، لا تغادر قبل أن تترك بصمتك قائمة ساطعة تمثلك وتفيد غيرك. وهنا، أعزز قولي بحديث خير خلق الله: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا مَاتَ ابنُ آدم انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.» صديقي الافترضي، لا تفكر في الاستسلام ولا تدرجه ضمن قاموس مفاهيمك، لا تستسلم إلا وأنت محب لحياتك بشتى محطاتها، ومحبوب عند غيرك كنموذج فخر وإلهام، لا تحتقر ذكاءك ولا توهمه بعبر التراخي والفشل، كن جرعة أمل لرفيقك وكتابا يتهافت القارئ على إتمامه والعمل بما فيه، وإياك أن ترحل فارغا، فعن أنس رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تَقوم حتى يَغرِسَها، فليَغرِسْها.»

ركاب قافلة التكنولوجيا، لا تصدقوا الصور، لا تلاحقوا الآخر، لا تسيروا على أثر قدم الغير، لكل بصمته الخاصة، خلق ليضع بصمته الذاتية. وأخيرا، لا تكونوا عبيدا للهواتف، تتقاضون ب”محكمة ضحايا التطور والحداثة” ضد “شبح الوهم” أمام قضاة “العولمة”، المحامي هو “ضميركم الغائب” الذي مات وانقضى، أما الشهداء فهم “أطراف متلاشية، وجسد منهمك وعيون ذابلة.” لا يحق لهم الطعن في الحكم، حكم هتف به القاضي قائلا: “صرتم سجناء لزنزانة العولمة”.