سوس وما خفي أعظم

228

وأنت تمرر صفحات الحضارة المغاربية العريقة، لا يمكن لك ألا تصادف في تقلباتها الحضارة السوسية ووسامتها، هاته المنطقة تتصلب جذورها الراسخة بين سلسلة جبال الأطلس الكبير من الشمال وسلسلة جبال الأطلس الصغير من الشرق والجنوب والمحيط الأطلسي من الغرب، بالجنوب المغربي، وتسري دماء أبنائها في مختلف مناطق العالم، هؤلاء اللذين لا يمكنهم الاستغناء عن أصلهم لأن قلوبهم تنبض شوقا للعودة طوال الغياب، ابتغاء استرجاع الاحساس بدفء جماليات هاته المنطقة التي أقل ما يقال عنها أنها العالمة وأنها صومعة الكرم والجود والبساطة، ولعل ما يميز بساط سوس أنه بحبوحة رحبت بالقبائل باختلاف فصائلها خاصة الصحراوية والإفريقية عبر الزمن، هذا ما انعكس إيجابا على غناها اللهجي الذي لطالما لن تجد مثله في ربوع مناطق المغرب، حيث إن اللغة الرسمية بسوس هي تشلحيت والتي يتكلمها معظم ساكنتها، ولكن الانصهار الثقافي ولد لهجات تجمع بين تشلحيت والغنة الصحراوية، ورغم قوة الكينونة الأمازيغية الحرة التي تميز سوس إلا أنها وأن لم تنس غيرتها العربية الدينية، ولعل ما يعكس هاته النزعة الدينية انتشار المدارس العتيقة بشكل كبير، وإسهامات علمائها في الموروث العلمي والأدبي والفقهي، ونذكر منهم من حققوا النبوغ بلا سند من قبيل سيدي الحاج الحبيب والعلامة محمد المختار السوسي، فلا يمكنك أن تمطي سيارة طاكسي ولا تسمع لإحدى ثمار سوس الفنية؛ قصائد تدندنها أنامل إزنزارن، حيث أصبحت تزنزارت تخصصا موسيقيا يدرس بكبريات المعاهد الموسيقية بأمريكا وألمانيا، وأنت لم تصل بعد لوجهتك لتحضر إحدى سهرات إسمكان التي تخرج لوحات مسموعة بما يسمى (كانكا وإقرقاوشن)، فإذا بعيناك تشاهدان انتظام صف أحواش وتصفيقاته المرافقة لشجايا الناي…

سوس تلك الجوهرة التي ساقني القدر لأن أكون ابنها وذا نسب اشتوكي حر (نسبة لاشتوكة أيت باها أو “أشتوكن” بتشلحيت)، تلك الجوهرة التي لا تبخل على فلذات كبدها بأن تجود عليهم بلمعانها، لمعان لن يرتوي منه إلا من عاش وكبر وترعرع هناك، جماليات لا متناهية، تختزل تربية عميقة لن تجد لها نظير، فلا زلت أتذكر من طقوسنا ما يجعلك تبحث عن سوس في خارطة العالم لكي تزورها، فالنترة الأولى من لمعان الجوهرة وهي من الذوقيات التي أعتز بها والتي يترعرع عليها الطفل بأن لا ينادي من يكبره سنا من إخوته باسمه حافيا، بمعنى أن الأخ أو الأخت لا ينادي أخاه الأكبر باسمه المجرد بل يُسبقه بلفظ “دادا”، كما لا يمكن مناداة الأخت الكبرى إلا بإرفاق “لالة” مع اسمها المجرد، كما لا ينادي الزوج زوجته باسمها بدون أن يرفقه بـ”لالة” ولا زلت أتذكر نداءات والدي رحمة الله عليه لوالدتي “لالة حسناء” وهذا في الفرد والمجمع وفي الفرح والقرح، كما تبادل الزوجة زوجها بالمناداة عليه “سيدي”، ومعيب جدا أن يصبح الولد أو البنية على جدته أو جده / أبيه أو أمه، أو من يكبرهم سنا دون تقبيل أيديهم وقبلة على جبهتهم، ومن العيب أن تنادي إحدى النساء جارتها بدون أن تصل اسمها بلفظ “لالة”، وكان من يكبرنا يُنكر علينا أيَّما إنكار مناداة اسم الجلالة مجردا بل من الضروري جدا ربطه بـ “سيدي”، كما أن لتناول الوجبات طقوسها الخاصة فممنوع وعيب أن يسبق الصغير الأكبر، كما لا يشرع في تناول النعمة إلا بحضور الجميع وتعطى الانطلاقة من الأكبر “بسميلاهات إيربي” ويليه من هو أصغر منه، وإذا أحسست بالعطش وطلبت الماء تقول “فكيي أدسوح = أعطني الماء لأشرب” فكانت الأم ترد لأن من العادة أن الكأس والماء والفاكهة والخبز (غالبا في الغداء ما يكون خبز “تفارنوت”) يكونان بجانبها فهي من تؤطر العملية؛ “أهوي فكيي زوار تاساروتنس = لا، لن أعطيك الماء حتى تعطيني مفتاح الطلب”، فترد حينها قائلا: “فكيي أدسوح إربي” فكلمة إربي تعتبر مفتاح الأشياء عند السوسيين فلا يمكن أن تتلقى إجابة سواء كانت بالنفي بدونها (أهوي إربي) ولا بالقبول بدونها (ياه إربي)، هذا وأحذرك أن تكون في مجمع سوس وتسبقك أناملك لتناول قطعة لحم، فالنظام الغذائي بسوس يوجب علينا الانتظار إلى نهاية الجميع من الأكل وتشرع الأم “ربة البيت” في تقسيمها بالعدل على المجمع وتضع بعد ذلك طبق الفاكهة المرتب الطاجز.

بعدها تبدأ النقاشات الشهية للقضايا الدينية والمجتمعية والتي طالما نشتهي سماعها ولكن موعد التوجه للكُتاب (تيمزكيدا) يحين مسرعا، ونحفظ حينها القرآن والهمزية والبردة، وندرس الحديث واللغة، لهذا تجد غالبية من ترعرعوا بمنطقة سوس متمكنين بشكل أو بآخر من الفصاحة اللغوية، وذوي زاد في القرآن الكريم والثقافة الإسلامية، فعندما تقترب صلاة العصر نتسابق عند الفقيه (الطالب) الذي يشكل بالنسبة لنا رمز احترام ووقار وهيبة وعلم ورزانة، فلا مقدرة لنا على أن نرفع فيه أعيننا، فقد كان معلمنا ومربينا وموجهنا ولكن الحذر من قاذفاته بالعصا التي يملكها تجعلنا دائمي الحذر من القيام بأدنى خطأ عند استذكار ما حفظناه أمامه، وحين نجاحك الذي غالبا ما يكون يوميا لأن الجدية كانت ميزة الجميع، تتوجه مسرعا لـ “أغكمي” لتغسل “تالوحت = اللوحة” من السمغ بالصمصال والماء ووضعها في فناء المسجد لتجف ونحن في طريق “المياضي = مكان وضوء العامة” لأجل إعادة الوضوء لصلاة العصر، نسأل بعضنا البعض “تحسيت؟ ياك أورتيتشيت = هل استذكرت جيدا؟ هل أخدت قسطا من العصا؟” ومع نهاية صلاة العصر نعدو مسرعين لكي نغير ملابسنا ونشرب كأس شاي ساخن وقطعة خبز مع طبق يحتوي زيت زيتون وزيت أركان وآملو و”تموديت نتفوناست = الزبدة البلدية” و “الكوفيتير = المربى”، متوجهين للعب كرة القدم أو ” البي” أو “البوليس دومخار ” أو “المصارعة الحرة ” والفتيات هن الأخريات يلعبن “أجكاركو” أو “لاستيك” في زاوية محتشمة، ولا يتجرأ أحد من الصبيان وصول تلك المنطقة لأننا كنا نعتبرها محضورة علينا، ويستمر اللعب والضحك واستعراض المواهب إلى أن نسمع آذان المغرب ونسرع للوضوء وارتداء “الفوقية وإيدوكان “ورش قليل من العطر، ويعتبر الجلوس لقراءة الحزب اليومي بعد صلاتي المغرب والصبح واجبا، كما يشكل الحزب الستون حزب سرور بالنسبة لنا لأن الناس يحجون للمسجد آتين بقطع حلوى “الكاطو” وذرة “تيروفين” مرفوقين بآنية شاي ساخن، ونزدرد فيهم بنهايتنا من قراءة الوتر اليومي ودعاء الختم لنختم يومنا بصلاة العشاء، ومراجعة دروسنا في جو هادئ ومملوء بالاجتهاد والإرادة، لكي نستيقظ لصلاة الفجر ونشرب (أزكيف إرغان = الحساء الساخن).

إن لكل شيء طقوسه وعادات تميزه في سوس، فعلى سبيل المثال ودوريا في كل سنة بكل منطقة ينظم موسم “المعروف” للتصدق والتبرك إلى الله عز وجل ليحفظ البلد والعباد، وينزل الغيث والرحمة، ويبعد الداء والبلاء، وينزل العلاج والشفاء، ويرحم الموتى، حيث يكون أسبوعا مليئا بالفرح وصلة الأرحام، ويبدأ في اليوم الأول بذبح بقرة وتصاحبه في الأيام الأخرى زيارة القبائل الأخرى للقبيلة التي تحتضن “المعروف” ويختم القرآن الكريم في ذلك الأسبوع، وترفع الأذكار، والصلوات على خير الأنام محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم “وتجمع الصدقات وتوزع للمساكين والمحتاجين، وتقام الولائم، ويحتضن عابر السبيل، وينتهي “المعروف” والناس قد تسامحت ولا زلت أتذكر أن بمجرد انتهائه تنهال رحمات رب العباد بأمطار وشفاء للمرضى وأرزاق لليتامى والمساكين والفقراء والمحتاجين، فينبت الزرع وتتوالد البهائم، أما طقوس يوم الأربعاء فكان عند طلبة العلم (إمحضارن) يوما استثنائيا، حيث يتم الاحتفال بما قد حفظته من القرآن الكريم لمدة أسبوع وتعيد مراجعته، ونتبادل التهاني ونحتفل ببعضنا ونقبل رأس الفقيه “الطالب” ونسلمه هدية “العربان الطالب” كعربون لمجهوداته معنا، وتختلف الهدية من فرد لآخر (بيض – زيت – زبدة – نقود – منسمات الشاي …)، أما يوم العيد فهو ليس كبقية المناطق، حيث تقام صلاة العيد بالمساجد أو الساحات وغيرها، بل في سوس تقام صلاة العيد في “المصلى” وهي مكان خاص بصلاة العيد، ولا زلت أحتفظ بذكريات جميلة باختلاف الأعياد،ىحيث نستيقظ باكرا ونبارك العيد لبعضنا ويتوجه رجال وصبيان العائلة للمصلى في مجمع واحد، وكانت ولا زالت في تلك المصلى التي نؤدي فيها صلاة العيد شجرة أركان شامخة في صدرها، كنا نحن الأطفال بمجرد دخولنا نجتمع تحتها ونتصرف بفرح وشغف كأننا لم نر بعضنا منذ زمن بعيد، ونحن قد اجتمعنا عند صلاة عشاء أمس، تنتهي صلاة وخطبة العيد وتنفرد سوس كعادتها بطقوسها، إذ نجتمع على شكل دوائر بالمصلى لتناول “الصدقة” التي هي عبارة عن أطباق “طواجن” التي تحضر من طرف العموم، وهنا يلتقي الجمع بمن يشتغلون أو يدرسون بمدن أخرى أو دول أخرى ليلتحقوا بركب الأهل، لأنهم يعلمون جيدا أن سوس تختزل لهم رغد العيش الطيب والطمأنينة والجو الهادئ الرفيع المبارك.

مقالات مرتبطة

كبرنا، ودرسنا، وسافرنا لمختلف أقطاب العالم، لم نجد منطقة تشارك سوس عراقتها، سوس التي كانت أمهاتنا في تربيتنا على ذكر الله في كل وقت وحين، سوس التي تجد في أزقتها عند أبواب المساجد والمحلات “تيخيبيت = خزان ماء” متاح للجميع، سوس التي نلعب حتى نتعب ونطرق بابا قائلين “نرا أنسو دياوبيش أوغروم = نريد أن نشرب مع قطعة خبز” فإذا بنا نقتات على وجبة متكاملة، سوس بينما كنا في الاستراحة بالمدرسة نلهو حتى يأتينا محسن بطبق من (تيحبايزين = قطع صغيرة من الرغيف مدردرة بزيت الزيتون أو الأركان والعسل الحر)، ونردد فرحين “أدياوي ربي أنزار أحنين أيكا ربي = اللهم اسقنا الغيت يا حنان”، سوس التي كنا نرى المعلم والفقيه ونطأطئ رؤوسنا ونقبل أيديهم احتراما لهم، سوس التي نرى فيها رجلا كبيرا في السن ونقبل جبينه ويده، سوس التي ربتنا على الجود والكرم، سوس التي ربتنا على الطمأنينة والراحة، سوس التي ربتنا على حسن القول وحسن الفعل، سوس التي ربتنا على أن لا نكذب ولا نخاصم ولا نسرق، سوس التي علمتنا أن الرزق عند الله وأن الرزاق والوهاب هو الله، سوس التي نصادف رجلا ويعظنا أو يحكي لنا قصة مشوقة، وفي الأخير يمنحنا هدايا من قطع مالية أو مكسرات، فبرتقالة سوس لا ينضب عصيرها.

حين تخصصت في الاقتصاد وتعرفت على المناهج والمذاهب الاقتصادية، واطلعت على نظريات الكلاسيكيين واللبراليين والرأسماليين، استخلصت أن أهل سوس بفطرتهم يعرفون معنى تقسيم العمل، وعملية الحصاد في الحقول تلخص ذلك، متمكنون من مبادئ الادخار والاستثمار، حيث يضعون لذلك مقاسا مترابطا لكي لا يصبحوا اهلا لاقتصاد الريع، حتى قبل أن يقول العالم كينز بأن التضخم هو الحل لاقتصاد الريع، فأهل سوس ببساطتهم وكرامتهم وجودهم وبشاشتهم يحافظون على توازنهم، ولا زلت أتذكر أنني أعود للبقال بعد أسبوع وأجر عشرين سنتيما، يخبرني بأنني قد نسيتها في المرة الماضية، أهل سوس الذين لا تقودهم أنفسهم لاتخاد الرأسمالية المتوحشة مبدأ ولا الجشع خصلة، فجرب مرة أن تحط رحالك بإحدى مناطق سوس وتخبرهم أنك عابر سبيل، وسيتسابق جل الناس لاستضافتك، إذا انقطعت بك السبل في إحدى المدن أو الدول وتعرف أن أحد أبناء سوس بها فتوجه إليه بسرعة، سوس تلك الحضارة التي ترفع شأن المرأة والبنت وتقدر الكبير والصغير، وتحفظ العرض والأمانة، وتروي العطشان وتحتضن الطارق، وتعلم الجاهل، وتربي العاق، وتفرح القلق، وتطمئن الخائف، وتساند الجميع، سوس ترحب بكم.

فثقافتنا السوسية الحرة الأبية ثقافة غنية جدا، ولا بد من كشف النقاب عن بعض الجماليات فيها، فهي من البدع الطيبة الجميلة النادرة التي ترفع الأُلفة بين الأرحام، وتقدس معنى الكبير فيها، وتوحي بالمهابة والوقار في سوس العريقة.