شرف الإعتراف

0

من أجمل اللحظات التي يمكن أن نختبرها هي لحظات الإعتراف، متجردين من كبرنا الطاغي وأنانيتنا المتدفقة وكل البهرجة القبيحة التي نحيط أرواحنا بها من مال وجاه وسلطة وجمال وعلم ومراتب وشواهد .. الإعتراف بالخطأ بالذنب بالقبح الذي نصر على تجميله، بآثامنا التي نلح كذبا على نبلها ونزاهتها. فلا يسعنا وسط هذا اللغط كله سوى أن نعترف .. أننا لم نكن على صواب، وأننا أجرمنا في حق أنفسنا وحق الآخرين، وأننا استسلمنا لنداء الشر فينا، وأننا تمادينا في وساوس الشيطان وغذونا خداما لدولته.



مقالات مرتبطة

هناك مثل انجليزي دارج يقول ” a fault confessed is half redressed ” حيث أن الاعتراف يغفر نصف الخطيئة، أو ربما جلها. وهو ما نحتاجه بقوة للتكفير عن خطايانا التي نتمنى لو أننا متنا قبل اقترافها وكنا مجرد ذكرى عابرة. فأول خطوات علاج مرض نفسي هو اعتراف المريض بمرضه، وأول تصحيح لمسار الحياة وتقويم لبوصلة المستقبل هو الإعتراف بسقطات الماضي، فلا مفر لنا سوى الإذعان لسلطة الاعتراف إن نحن فعلا رغبنا في عيش سليم.

والاعتراف ليس ضعفا، ولا يأسا، بل لا يقوى عليه سوى من تمكن من ترويض نفسه المتعالية، وهو شرف لا خجل فيه، بل الخجل من اقتراف الخطأ وليس من الإعتراف به على حد قول الفيلسوف الفرنسي فولتير. فسيد نفسه هو الذي لا يجد في الاعتراف بما جنت يداه حرجا ولا ضيقا، بل يرى في اعترافه قوة وثقة واحتراما لذاته أولا وللمجتمع ثانيا، والإنسان صادق أمين مادام معترفا متحملا مسؤولية أفعاله وأقواله.




وأنت تسير بسيارتك في طريق طويل ونحو وجهة بعيدة، لا يسعك إذ شعرت باهتزاز في سيارتك أو إشارة تحذرك من عطب فيها سوى التوقف، تقف مجبرا حفاظا على سلامتك وسلامة من معك، تتفحصها وتحاول اصلاح العطب فيها والاستعانة بذوي الخبرة والفهم، ثم تكمل طريقك مطمئنا وقد أصلحت العطب وأخذت بأسباب السلامة كلها، أما وإن تماديت في مسيرك لا تعير عطب سيارتك أية قيمة، فأنت تسير إلى حتفك المحتوم، فقد تفسد المكابح أو العجلات وقد تشب نار بالمولد وقد يؤدي كل ذلك لهلاكك وهلاك من معك، فقط لأنك لم تتوقف ولم تصلح ما توحب عليك إصلاحه. والاعتراف خلال مسيرة الحياة الطويلة هذه، بمثابة وقفة مع النفس وإصلاح لما بدر منها وما جنته عليك وعلى من حولك، وهو السبيل الوحيدة لتصحيح المسار، فلا أمل في السير قدما بأمان وسلام دون الاعتراف بأخطاء الماضي ودون محاسبة النفس على ما ارتكبته، أما التجاهل والتكبر والتغطرس الذي يتملك كل ضعيف النفس أمام أخطائه، فهو العطب الذي يجرك نجو نهايتك البشعة .. بشاعة تعيش معك إلى الأبد، تلوث روحك ومحيطك.

الصلح والسلام الداخلي ثمرة البحث الدائم، والبحث يقود للإعتراف، فالمعافون في أرواحهم، الأقوياء على أنفسهم هم وحدهم القادرون على شرف الاعتراف.