عبادة جبر الخواطر

كم من مرة لقيت شخصا برغبة وحماس، ولقيك بملامح باردة، ومشاعر جافة؟ كم من مرة لقيت شخصا بابتسامة عريضة، ولقيك بوجه متجعد؟ كم من مرة كنت في لحظة انكفاء وانكسار، ولم تجد كلمة تواسيك، أو دعما يُسلِّيك، أو جبرا لخاطرك؟ وصاحب هذا الحال، كما ينطبق عليك، ينطبق على غيرك؟ إنها عبادة جبر الخواطر وجبر الخواطر خلق إسلامي عظيم، يدل على سمو نفس، وعظمة قلب، وسلامة صدر، ورجاحة عقل، يجبر المسلم فيه نفوساً انكسرت، وقلوباً تكدرت، وأجساماً أرهقت، وأشخاص أرواح أحبابهم أزهقت.

هؤلاء المنكسرون من الفقراء، والأرامل، والأيتام، هم في حاجة إلى من يُجبر خاطرهم، ويُعين مصابهم، ويُحسن إليهم ولو بالكلمة الطيبة، (والكلمة الطيبة صدقة) كما جاء في الحديث. فما أجمل هذه العبادة، وما أعظم أثرها.

يقول الإمام سفيان الثوري: “ما رأيت عبادة يتقرب بها العبد إلي ربه مثل جبر خاطر أخيه المسلم” ومما يعطي هذا المصطلح جمالاً، أن الجبر كلمة مأخوذة من أسماء الله الحسنى، وهو “الجبار” الذي من معانيه: “أنه الذي يجبر الضعيف، وكل قلب منكسر لأجله، فيجبر الكسير، ويغني الفقير، وييسر على المعسر كل عسير، ويجبر المصاب بتوفيقه للثبات والصبر، ويعوضه على مُصابه أعظم الأجر، إذا قام بواجبها، ويجبر جبرا خاصا قلوب الخاضعين لعظمته وجلاله، وقلوب المحبين بما يفيض عليها من أنواع كراماته، وأصناف المعارف والأحوال الإيمانية، فقلوب المنكسرين لأجله جبرها دَان قريب، وإذا دعا الداعي، فقال: «اللهم أجبرني» فإنه يريد هذا الجبر الذي حقيقته إصلاح العبد، ودفع جميع المكاره عنه.*

وجبر النفوس من الدعاء الملازم لرسول الله صلى الله عليه وسلم بين السجدتين، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاجْبُرْنِي وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي.» وقال الله سبحانه: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} [الضحى: 9-10]، إنه أجمل تطييب للخاطر، وأرقى صورة للتعامل. قال ابن كثير في تفسيره للآية: {فأما اليتيم فلا تقهر} أي كما كنت يتيما، فآواك الله، فلا تقهر اليتيم، أي لا تذله، وتنهره وتُهِنْه، ولكن أحسن إليه وتلطف به.* وقال القرطبي في تفسيره: فعاتبه الله على ذلك؛ لكي لا تنكسر قلوب أهل الإيمان.*

وفي السنة النبوية نجد نماذج كثيرة لتطييب الخواطر، منها: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: لقيني رسول الله ﷺ فقال لي: يا جابرُ ما لي أراكَ منكسِرًا؟ قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ استُشْهِدَ أبي قُتِلَ يومَ أُحُدٍ، وترَكَ عيالًا ودَينًا، قالَ: (أفلَا أبشِّرُكَ بما لقيَ اللَّهُ بِهِ أباكَ؟) قلتُ: بلَى يا رسولَ اللَّهِ قالَ: ما كلَّمَ اللَّهُ أحدًا قطُّ إلَّا من وراءِ حجابِه وأحيي أباكَ فَكَلَّمَهُ كِفاحًا فقالَ: يا عَبدي تَمنَّ عليَّ أُعْطِكَ قالَ: يا ربِّ تُحييني فأقتلَ فيكَ ثانيةً قالَ الرَّبُّ تبارك وتعالَى: إنَّهُ قد سبقَ منِّي أنَّهم إليها لَا يُرجَعونَ قالَ: وأُنْزِلَت هذِهِ الآيةُ: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} [آل عمران: 169].* والنبي ﷺ، في هذا الحدث جبر قلب جابر بن عبد الله رضي الله عنه لما انكسر قلبه من مصيبة موت أبيه.

حتى الأطفال يحتاجون لجبر الخواطر، وهم كذلك كان لهم نصيب من جبر الخاطر مع رسول الله ﷺ. فعن أنس رضي الله عنه قال: (كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقاً، وكان لي أخ يقال له: أبو عمير أحسبه قال: كان فطيما، قال: فكان إذا جاء رسول الله ﷺ فرآه قال: يا أبا عمير، ما فعل النغير -طائر صغير كالعصفور-؟ قال: فكان يلعب به) رواه مسلم.

واستنبط العلماء من هذا الحديث عدة فوائد منها: التلطف بالصديق صغيرا، كان أو كبيرا، والسؤال عن حاله. مواقف لا تُنسى ولا شك أن كل إنسان منا قد حُفر في ذاكرته مواقف أشخاص، كان لهم الدور الفاعل، والعمل الدؤوب، بمواقف سُطرت، وحفظت سواء بالقول، أو الفعل، أو رسالة، أو فكرة، أو كلمة خير، جبرت نفسه، وأثلجت صدره، فهذه المواقف تحفظ ولا تنسى. ومن نماذج ذلك: مواقف للصحابة: تاب الله على كعب بن مالك رضي الله عنه، بعدما تَخلف عن الخروج مع المسلمين في هذه الغزوة تبوك (9ه) كما قال الله سبحانه ‏{وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 118] والثلاثة هم: ‏كعب بن مالك‏ وصاحباه مرارة بن الربيع وهلال بن أبي أمية. دخل كعب بن مالك رضي الله عنه إلى المسجد مستبشرًا، لما أنزل الله آيات في توبتهم، فقام إليه طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه يهرول واحتضنه قال كعب: والله لا أنساها لطلحة. فهذا الصحابي قام بتصرف لم يسبقه إليه أحد، ولا كرره شخص بعده. فكان أن كسب قلب كعب، لدرجة أن كعباً يحكي هذه التجربة لولده، دون أن يُغفل ذكر موقف طلحة -رضي الله عنه-.

وفي موقف ٱخر، دخلت امرأة من الأنصار على عائشة رضي الله عنها في حادثة الإفك، وبكت معها كثيرا، دون أن تنطق كلمة، قالت عائشة رضي الله عنها: والله لا أنساها لها. وفي هذا الزمان تشتد الحاجة إلى مواساة الناس، والتخفيف عنهم، وتطييب خاطرهم؛ لأن أصحاب القلوب المنكسرة كُثُر، نظرًا لشدة حاجاتهم، وفقرهم، وكثرة الظلم بين الناس. والإنسان إن كان غير قادر على أن يَسع كل الناس بأمواله، لكثرتهم فلِيَسَعْهُمْ ببَسْطِ اَلْوَجْهِ، وَحُسْنُ اَلْخُلُقِ، وقد قال النبي ﷺ: (لا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بوَجْهٍ طلق) أخرجه مسلم.

وينبغي أن يُعَوِّد المسلم نفسه على طلاقة الوجه عند لقاء الناس، مهما كان عليه من التعب، ومهما كان عليه مما يصيبه من مصائب الدنيا، فيلقى الناس ببشاشة وابتسامة، فإن هذا مما يزيد المحبة والأُلفة والمودة بين المسلمين. وفي هذا الحديثِ يقولُ عبدُ اللهِ بنُ الحارثِ بنِ جَزْءٍ رضِيَ اللهُ عنه: (ما رأَيْتُ أحدًا أكثرَ تبسُّمًا مِن رسولِ اللهِ ﷺ.) سنن الترمذي.

خَفِّفْ عَنِ النَّاسِ ما يَلْقَـوْنَ مِنْ أَلَمِ فَإنْ عَـجـزْتَ فأَخْرِجْ طَـيِّـبَ الكَلِمِ وانْسُجْ من الفَأْلِ أثوابًا لـتُفْرحَهُمْ، وكُنْ كَنُورٍ لهم فـي أحْـلَكِ الـظُّلَمِ لا يُسْعِدُ النَّاسَ في قَولٍ وفي عَمَلٍ إلَّا امْرُؤٌ طَيِّبُ الأخْلاقِ والشِّـيَم.

فاللهم اجْبُر خاطر نفوس تتألم ولا تتكلم، اللهم اجعل لنا من كل ضيق مخرجا، ومن كل هَمٍّ فرجا ومن كل بلاء عافية.

______________
*سعيد بن وهف القحطاني، شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة ج32/1.
*ج413/8.
*تفسير القرطبي، ج213/20.
*حديث حسن رواه الترمذي(3010).