عن زنزانة الروح

ليس هناك أقبح من أن تجد نفسك تائها تاركا كل تلك الأشياء التي كانت تسعدك وتحيي روحك خلفك، إلى أن تصبح روحك كبيت خرب لا حياة فيه، تنتظر الموت في كل ثانية، يسودها الظلام بعدما كان النور مشعا داخلها. عن زنزانة الروح أكتب، تلك التي تمتص الأفئدة الهشة الخالية من الإيمان والعامرة باليأس والبؤس.

حيث تتوقف عن العيش، وتدخل إلى غرفة سوداء تغلق على نفسك فيها وتظل وحيدا تتأمل ذلك الشوك الذي يلدغ جسمك، تستنشق الشؤم وتشتكي الوحدة رغم كثرة الأهل والأحبة والأصدقاء حولك. فلا أحد منهم يفهمك ولا تستطيع البوح بما يؤلمك ويكسرك؛ لأنك تعلم جيدا أن كل ذلك الحزن واليأس نابع من داخلك، ولا دخل لأي عامل خارجي في ذلك سوى تراكمات الكثير من الضغوط والعقد النفسية.

كل الفوضى الداخلية والخارجية تنعكس على محياك، وتغدو الأيام المتتالية متشابهة داخل تلك الغرف، وتتحول الضحكات إلى أنين خوف من كوابيس تعانقك كل ليلة، تظل فكرة اللافائدة واللامعنى للأشخاص وللأشياء من حولك تسيطر عليك، حتى تنسلخ منك روحك وتدخل زنزانة الاكتئاب. ولا يمكن الاستهانة بهذه الزنزانة؛ فالاكتئاب لا يعني أن تستسلم وتظل تائها وسط أفكار سامة مدعيا أنها مجرد فترة وتزول أو أن تؤمن أن التغيير سريع وأنك ستصبح سعيدا بمجرد أن تقول: “أريد أن أكون سعيدا”.

إن لنفسك عليك حقا، حيثما دق ناقوس الخطر داخل روحك وأصبح السواد يغلفها، نظفها إن استطعت وحدك أو بمساعدة أخصائي نفسي حتى لا تفقد نورك الباطني، فنحن بشر تغلبنا العواطف إن لم يكن أساس إيماننا قويا، فالاكتئاب يسلب كل جميل يملك الإنسان ويدمر الروح تدميرا لا مثيل له، ولا يمكن إهمال هذا الشعور، فكلما حاولت نسيانه يعود من جديد بمجرد رؤية تفاصيل صغيرة قد تحزنك أو تذكرك بشيء يؤلمك، لذلك، على المرء أن ينصت إلى ذاته، يفهم ألمه وحزنه، يواسي فؤاده ويسعد نفسه بما يفرحه ولا يستسلم للاكتئاب الذي ينهش القلب ويميته، أن يعبر عن حاجاته ويبحث عما يضمد جرحه قبل أن يغدو مجرد روح حية لا تعيش محبوسة داخل زنزانة سوداء.

لقد خلقنا الرحمن ورزقنا قدرة التحمل والصبر على الشدائد، أنعم علينا بقربه منا، وخاطبنا قائلا: {فإني قريب} يكفي أن تتذلل وتستشعر لطفه وبركته حتى تطمئن النفس وتهدأ، وتذكر دائما أنك كلما ابتعدت عن خالقك تهاطلت عليك الهموم كالمطر ولن يغادرك شعور الوحدة البئيس. أنت أكبر من أن يغلبك شعور الاكتئاب ويسيطر عليك، فخالقك جميل زرع فيك حبه ونوره وجماله فقط انظر إليه وتأمله جيدا وتمعن فيه، وسترى انعكاس جماله فيك وتكتشف كم أنت كائن رائع ومبدع بطريقة ما، حتى وإن كانت بسيطة، لا تسمح لنفسك بأن تسجن داخل علبة سوداء احمها وأسعدها ليرضى عنك المولى، فإذا رضي رضيت عن حالك.

1xbet casino siteleri bahis siteleri