عهد ما بعد الجائحة

لقد بات العالم في سكون منذ الاجتياح الفيروسي، انكمشت الحركات أو انعدمت بالكلية، الشوارع ساكنة كأنما ه‍ُجرت، الهدوء يخيم الأمكنة، خمدت الضوضاء وأُغلِقت الدكاكين وساد الصمت، كأنما العالم أمسى مكانا مهجورا من الإنس، فوجد الإنسان نفسه محصورا بين أربعة جدران، توقفت كل نشاطاته فجأة، أين السبيل؟ أين المفر من الاكتئاب والقلق والتوتر النفسي الذين أصبحوا الهواجس الحاضرة في الزمن الحاضر، كيف يستطيع الإنسان أن يشغل نفسه في البيت بينما أعماله تتجلى في الخارج، خارج بوابة المنزل، الأغلبية من البشر أصبحت حياتهم أشبه بالجحيم طوال مدة الحجر الصحي، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على غياب المرونة لدى الشخص لا يدري كيف يتصرف وفق الظروف المفاجئة، الشخص العظيم هو الذي يعطي أينما كان وكيفما كانت الظروف، لا يتوانى ولا يتخاذل ولا يجعل من نفسه وجبة للقلق والتوتر.

مقالات مرتبطة

وبعد الأزمة الكورونية يسعى المرء لأن يجدد حياته وفق التعليمات الوقائية للحد من انتشار الفيروس، يحاول أن يتأقلم مع الوضع الراهن قدر الإمكان، لقد تغيرت ملامح الحياة قبل وبعد كورونا؛ حيث أصبح الإنسان أكثر حذرا، كثرة الغسيل أضحت عادة مترسخة في الذهن، التباعد الاجتماعي بين الناس أصبح ضرورة لا غنى عنها، الترقب وانتظار الحصيلة اليومية للفيروس أضحى ميعادا لا يُتأخر عنه، التواصل مع الأحباب والأصدقاء ازداد أكثر وأمسى ضرورة من أجل بث الشكوى وتقصي الأخبار والاطمئنان على صحتهم، إنها منحة في ثوب المحنة؛ حيث كان الإنسان غائبا عن ذاته، يحلق في جو الخيال بعيدا عن أقرب الأشياء لديه، يظل ينظم كل أموره الدنيوية وناسيا الفوضى التي تقبع بين جنبيه، وكما يقول الكاتب والشاعر مصطفى صادق الرافعي في كتابه وحي القلم: “إن الخطأ أكبر الخطأ أن تنظم الحياة من حولك وتترك الفوضى في قلبك.”

بدر الهدوء بين الضجيج المفتعل وسكنت الروح له وأمسى علاجا ناجعا للتغلب على كل مهدد للاستقرار و أُميط اللثام عن مكنونات الذات واحتياجاتها، فبزغ ذلك التواصل الذي طمرته الدنيا ومغرياتها بين الشخص وذاته ليتكشف للعيان الصدق مع الذات والصلح مع الضمير، ويسفر بعد التواصل إنسان منسجم مع اقتناعاته وأفكاره متحداً مع ذاته وضميره وصديقا وفيا لهما.

فكانت فرصة لتجديد الحياة وإعادة بنائها بأساس متين لا يتزعزع، وتجديد الأفكار والآراء وفتح باب تقبل الاختلاف والتنوع الثقافي، وتنظيم الحياة حسب الأولويات، وتبني عادات حميدة تطور من حياة الفرد وبالمقابل سد باب العادات الفاسدة المضيعة للوقت،
فلا نجعل من أمر الجائحة أمرا عابرا، بل هو أمر لا يستهان به قد غير مجرى الحياة وحصد أرواحا ليست بالهينة، فلنجعله عبرة لنا ودرسا لا يُنسى، ونجعل منه بداية نهاية كل الترهات والمضيعات؛ لأنه يكشف لنا عن قيمة الحياة الإنسانية.&