عودة نحو الذاكرة

66

لعل الأمر جلي أن كل الذين يحبونك اليوم بصدق سيؤذونك غدا بكل إخلاص، قد تبدو الجملة غريبة للوهلة الأولى لكن صدقا فهذا واقع لا مفر منه، ولست أنفي حالات قليلة واستثناءات لن تنقص من حدة الأمر ولن تغير الواقع المرير. ها أنا ذا ككل يوم من أيام هذا الشهر العظيم تناولت لقمات من الطعام على مضض، كوب ماء ورغيف شهي طابت له نفسي وحرك الوجدان فيَّ فخبز أمي لا يعلى عليه…انقضى الخيط الأخير من الليل فسمعنا مناديا ينادي “الصلاة خير من النوم” فهرعت على إثر هذا إلى الماء فأفضته على يداي وغسلت به وجهي ورجليَّ إلى الكعبين، أحسنت الوضوء وصليت ركعتين للفجر ثم أخرتين للصبح جهرا…شرعت في قراءة ما تيسر من الذكر الحكيم وأتبعته بأذكار الصباح حتى أُشهد من خلالها الله وملائكته وجميع خلقه، بعدها بقليل ناولتني هاتفي المرئي فرن قلبي حنينا يناديني، وفهمت أن الأمر وما فيه أن أهازيج قلمي ستجود عليَّ مرة أخرى بكلمات من جليل العبر وبجمل نفيسة يطيب لها فؤادي وتحن لها جوارحي…أخذت أتفكر الماضي بما يحمله في طياته من ذكريات بهية وبديعة كما أخرى يعتصر من فرطها القلب ألما ويضطرب لها العقل بمجرد ذكرها على اللسان، أخذت أجوب في خيالي وأجوب وكأنني بصدد البحث عن شيء لست أعرف ما هو ولا من أين أتى، وهل لي به سابق عهد؟

استقرت أصقاع قلبي على التفكير في أناس كانوا الأقرب إلى شغاف اللعين الراقد يسارا، أناس طوتهم صفحات النسيان وهبت بهم رياح القدر الهوجاء إلى ركن مختلف من المدعوة “الحياة”…ولأن صاحب النية يجزى بحسن نيته فقد أحسن الله لي بإبعاد السالف ذكرهم عني، حتى لا أذرف زلالا صافيا من مقلتيَّ الشريفتين مرة أخرى، وحتى لا أُكبَّدَ عناء محاولة استعادتهم في كل مرة يهربون فيها مني ودون سبب يعهد.

لعل أحداث الأيام نسفت صبري عن بكرة أبيه ولعل تبعاتها لا زالت تقتص من القلب فترديه عاطلا عن العمل دون حيوية أو حِلم كان يعج بهما، الصبر شعبة تنم عن مدى فطنة أصحابها، لذا فرغم التبعات القاسية والعلقم المرير الذي خلفته الأيام والذي بات يقف غصة في حلقي لا يقضي عليها ماء ولا تزول مع زوال وقت، إلا أن تلك التبعات كان لها الفضل الكبير على شخصيتي فقد علمتني الصبر والوقوف عتيا هماما أمام كل عقبة تواجهني، وآنست منها رشدا كبيرا فاض به خاطري، وملأ أرجائي المونقة على نحو بالغ منقطع النظير، حتى أضحيت ذلك الذي لا يجزع إن أراد أحدهم الإساءة لي وصرت أكبح جماحي وأتحكم بهذا الحاصل كلِّه كما لو أنني صاحب الخيط الناظم في نسيح حاكته يداي وطبقا لما أملته ذاتي، أضحيت ذلك الذي لا يصيبه ذعر بل ولا أحرك ساكنا ولو هجرني أقرب الناس إلى قلبي ما دام أنهم لم يروا مني سوى خير وأُنس.

مقالات مرتبطة

صرت أجد خيرا كثيرا وراحة قصوى في معاشرة نفسي وفي عزلتي التي أملؤها بالقراءة والتعلم والتذلل لله الذي من عليَّ في مواطن عدة. ولا ينسى الفضل سوى رجل ذي قلب قاس وذي نفاق صلب يرخي عليه السلطة، فيجعله صيدا سهلا في يد الشيطان ألا لعنة الله عليه. العزلة ليست ضعفا بل هي قوة وعِشرةٌ لا يعرف حلاوتها سوى من ذاقها واستأنس بها.

معرفة النفس خير من الخوض في جدالات لا طائل ورائها بل إن مصاحبة الذات ومحاولة النهوض والسمو بها أمران جديران بخوض المعركة في سبيلهما ووهبهما كل الجهد والوقت، فكبح النفس ومجاهدتها إلى أن يتم تزكيتها وتُلمَس استقامتها هدف نبيل وأمر يستحق كل العناء بغية تحقيقه على أرض الواقع.

وأخيرا أدعو الله أن يرزقنا الاستقامة على طريقه، وأن يهبنا أناسا أولو عزمٍ في الحياة يحبون الخير ويجروننا إلى أماكنه ويشدون بنا إلى طريق الحق الذي لا غواية ولا إثم يخالجه.