فوائد السفر..

منذ القديم كان المسلمون أكثر الناس تنقلا في الأرض، ولولا نفر من كل فرقة ليفقهوا في الدين ومدح الله عباده المؤمنين بأنهن تائبون عابدون سائحون، ووصف زوجات النبي بأنهن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات.

حاول بعض المفسرين صرف المعنى إلى غير السياحة مع أن وزارات كاملة اليوم تأخذ اسم السياحة. أقول هذا لأن العلم كسر الجغرافيا ومن لم يستطع السياحة ببدنه يمكنه أن يفعل ذلك عن طريق الأنترنيت. وأهمية التنقل ولو برؤية قناة الديسكفري التي تعرف بالقبائل والشعوب في كل حلقة، مما يعطي خصوبة في التفكير وإدراكاً لتنوع العباد؛ {وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ}

وربما كان أكبر رحالة في تاريخ العالم هو ابن بطوطة المغربي من طنجة، فالرجل قضى أكثر من خمسين سنة وهو يسافر ويكتب كتابه في عجائب الأمصار تحفة للنظار. وروى عنه ابن خلدون التونسي أنه كان يروي بعض القصص فيتعجب الناس ويتهمونه بالكذب، فيعلق ابن خلدون على ذلك ويقول: إن سبب ذلك هي العادة. ويذكر في هذا الصدد قصة الوزير وابنه والفأر، فقد حبس ملك وزيره لأمر ويبدو أن ولده كان معه وتربى في ظروف السجن ولم يكن يرى الغلام سوى الفئران، فإذا تحدث والده عن الجمال كان الطفل يتساءل كل مرة أهي كالفأر يا أبت؟

لذا كان السفر مفيدا في الاطلاع على التباينات عند الشعوب، وإتقان اللغات والكسب التجاري، وأنا شخصياً رأيت الأوربيين وعاشرتهم جيدا، وأعرف صرامة وجدية الألمان، وطيش الطليان، وارتخاء الأسبان، ومرح الفرنسيين وبرودة السويديين. كما عرفت انعزالية بعض الكوريين، وطيابة الفيلبيين، وعنصرية بعض اليابانيين، وإتقانهم للعمل واحترامهم للوقت. كما أنني احتككت بالأمريكيين والكنديين فعرفت أن الشعب الأمريكي من أكثر شعوب الأرض إبداعا، ونشاطاً، وإنتاجا، وبساطة أيضا وطيابة.

والآن بكل أسف فإن الإعلام يحاول دفعه باتجاه كراهية العرب والمسلمين وفيلم الحصار، وظف في البداية لبناء هذه النظرة من الكراهية وإن كان قد ختمه بشيء مختلف عن التفريق بين جماعات الإرهاب والتيار العام، كما جاء في تعريف جون ابزيتو المحاضر في جامعة جورج تاون وهو الذي أصدر ترجمة للقرآن من القسم المكي فأعلنت الحرب عليه، ولكنه دافع عن القرآن بجدارة أكثر من كثير من المسلمين.

مقالات مرتبطة

واليوم العالم يتبدل وكما قالت كوندوليسا مستشارة الرئيس الأمريكي أن حوادث سبتمبر تقترب من انهيار الاتحاد السوفيتي وظروف الحرب العالمية الثانية.

أقول: من الضروري الآن الاستنفار للتعريف بالثقافة العربية والإسلام فهذا أيامنا وعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا. وهناك الكثير من العرب الذين يتقنون لسانهم ويعرفون مداخلهم فيجب أن يبذل العرب أموالهم ولا يبخلوا لتجنيد أولئك كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم بحسان بن ثابت الذي كوى المشركين بشعره. ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء.

ومما ينقل عن الشافعي في السفر:
تغرَّبْ عن الأوطان في طلب العلا وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
تَفَرُّج همٍّ، واكتساب مــعيشة *** وعلم، وآداب، وصحبة ماجد
فإن قـيل في الأسفار ذُلٌّ ومحنـة *** وقطع الفيافي وارتكاب الشدائد
فـموت الـفتى خير له من قيامه *** بدار هوان بين واشٍ وحـاسد
سافر تجد عوضا عمن تفارقه *** وانصب فإن لذيذ العيش في النصب
إني وجدت وقوف الماء يفسده *** والعود في أرضه نوع من الحطب

ومن الطريف في رحلة ابن بطوطة هذا الاسترخاء الروحي والبحث الممتع والسؤال عن كل شيء، فهو عندما قابل والد إمبراطور القسطنطينية التي كانت تمثل الكنيسة الشرقية طلب منه دخول الكنيسة لرؤيتها فلم يسمح له، وهو يدور المغارات بحثا عن الصالحين، وهو يسأل عن كل شيء فيتعرف على الكليجا وقمر الدين المصنوع من المشمش، والذين يرقصون في النار، وداء الفيلة عند الأفارقة، وحرق الزوجة مع زوجها المتوفي وهي على قيد الحياة في الهند، ولماذا سميت هذه المدينة بــ منية الخصيب في مصر؟ وما معنى كلمة جلبي أي السيد باللغة الرومية؟ وما قصة الفيلسوف المسلم جلال الدين الرومي وكتابه المثنوي؟ وبطيخ خوارزم الذي ليس له مثيل في العالم، واستعمال الورق كعملة للتبادل النقدي في الصين بدلا من المعدن واسمه الكاغد، والفحم الحجري والسجاد الصيني الفاخر وهكذا… فهذه الروح المحبة للسياحة والتي زكاها القرآن للرجال والنساء على حد سواء: الحامدون السائحون. و:عابدات سائحات. طبقها ابن بطوطة فكان يسافر ويتزوج حيثما يمضي بدون أي حرج، وحينما تزوج في جزر المالديف وصفهن بأنهن من خير الزوجات اللواتي اجتمع بهن في حياته، وكانت زوجاته يمضين معه سائحات في رحلة اكتشاف المعمورة، حتى مع ظروف الحمل وموت بعض بناته أحيانا في هذه الرحلة العجيبة التي لم يسبقه إليها أحد بما فيهم ماركو باولو الذي اعتبرته أوربا حتى فترة قريبة أنه أعظم من ذرع الأرض وجاب القفار، ولكن الأبحاث الحديثة بدأت تعترف بهذا السبق الهام للمسلمين كما ذكرت ذلك مجلة بيتر موسولايتنر الألمانية في بحث تفصيلي عن رحلته.

إن آية {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ} انطلاق عملاق في التفكير، فنوعية السير هنا في الأرض حيث تتحول الواقعات شواهد على صدق الكتاب: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} ولكن مع هذا نلاحظ أن الكساح الذي أصاب العالم الإسلامي شيء رهيب، وأن معظم الذين ساروا في الأرض ورسموا جغرافية العالم الحديث هم من خارج جغرافية العالم الإسلامي، ولم يعد العالم الإسلامي ينتج ابن بطوطة جديد، والسير في الأرض هو أمر، وليس نفلاً، فهذه مآساة لنا فنحن نزهد في الجديد، ونرتعب من العلم، ولا نحرص على اكتشاف المجهول، وانطفأت عندنا روح المغامرة. كما أن السير هو للنظر الذي يحمل الوعي الحضاري وشهود العالم والعظة والاستفادة من تجارب الأمم ومراجعة النفس والتراكم المعرفي، وليس لشم الهواء والتفكه الفارغ على ضفاف البحيرات، ويؤكد النظر هنا على تأمل ظاهرة الخَلق وبالتحديد بدء الخلق. والخلق كلمة عامة، فالخلق المادي خلق، والعضوي خلق، والفكري خلق، وكذلك النفسي والاجتماعي، فهي قفزة رائعة ماسحة شاملة لمعنى الخلق، وهي طريقة مميزة للقرآن في التعبير، وهكذا يمكن دراسة الكون من الذرة إلى المجرة، والتشوهات العضوية الجنينية في أي مستوى عضوي، ودراسة الأمراض النفسية ومعرفة عللها، والأفكار وانتشارها، والدعوات وبداياتها، والأديان وإنسياحها في العالم، والنظم السياسية وقيامها ثم انقراضها، والدول وانبعاثها وزوالها، والحضارات وولادتها واندثارها، فكلها من خلق الله في هذا الوجود، فطالما كان كل ماعدا الله مخلوقا؛ فكل ماعدا الله خاضع لهذه القاعدة من إعادة النظر والدرس والبحث ومعرفة البداءات الأولية فيه.