في معاني النجاح والأخلاق

تختلف أفهام الناس بخصوص معنى النجاح بحسب المعتقدات والرؤى والتجارب التي ينفرد بها كل واحد منا، وكذا الثقافات التي ننحدر منها. لا شك أن النجاح مرتبط عند بعضنا بالترف، أو على الأقل، بالاستقرار المادي، وقد يرتبط عند البعض الآخر بتسلق سلم السلطة السياسية والاقتراب من مراكز النفوذ والقرار، وقد يقترن عند آخرين بالتحصيل العلمي وبالتكوين الأكاديمي. كما قد يتعلق بتحقيق الحظوة والشهرة. ولا عجب أن يربطه آخرون بالسعادة مع كل ما يكتنفها من تعقيد وتجريد.

ومع اختلاف رؤى الناس وتصوراتهم للنجاح، فإنه في نظري، من الأهمية بمكان ألا ينسلخ هذا المفهوم عن سؤال الأخلاق؛ إذ لا يمكن أن نعد “النجاح” نجاحا إن لم يكن يبتغي صلاحا، أو إن لم يحمل بين ثناياه بعدا أخلاقيا أي معنى قيميا. والحقيقة أن الصورة النمطية الشائعة عن الفرد الناجح هي التي تجسده في ذاك الذي تمكن من إنشاء مقاولة رائدة مثلا، بما يكفل له تحقيق الرفاه المادي لنفسه، أو ذاك الذي تفوق أكاديميا مما خوله الحصول على منصب يرفع من شأنه في المجتمع.

هذا هو المنظور الشائع عند العامة، منظور لا يولي كثير اهتمام لمعنى النجاح نفسه، أقصد أننا عموما، ونحن نتحدث عن نجاح أحدهم، لا نسائل أنفسنا عن الشق الأخلاقي للنجاح، فيصير عندنا مدير مؤسسة بنكية شخصا ناجحا فقط حين يكون هندامه الخارجي جميلا، ويركن سيارته بالقرب من مقر عمله، ويمتلك مسكنا محترما، أما جوهر عمله، أقصد الوجه الأخلاقي لما يقوم به فذاك لا يهمنا.

لست أدري أي معيار وجبت العودة إليه لفحص مقدار نجاحنا، فلكل رأيه، لكن لي يقين تام لا أحيد عنه، أساسه أن النجاح لا يمكن أن ينفصل عن الأخلاق؛ إذ لا بد أن يحدد بضوابط أخلاقية، بأن يكون له مقصد نبيل، وإلا فإنه لا يغدو أن يصير مجرد هدف كغيره، هذا إن لم أقل إن أي نجاح نأى عن نهج الأخلاق هو فشل ذريع، فأي محاولة فصل للنجاح عن الأخلاق هو نسف لكل معانيه. وإني أصادف بشكل متكرر ما يحاول الرأي العام تصويره نجاحا، قصص أشخاص بدأوا صغارا مغمورين قبل أن تقودهم جهودهم إلى مراكز القرار السياسي والاقتصادي؛ حيث صاروا يعيشون على إيقاع الانتهازية المقيتة والتواطؤ عوض خدمة الصالح العام مثلا. بل حتى المقاولات الرأسمالية يبدو أنها فهمت أن النجاح لا يمكن أن ينحصر في نمو رقم معاملاتها باستمرار، فصارت تتحدث عما بات يطلق عليه المسؤولية الاجتماعية وتارة الأخلاقية للمقاولات، وهو نوع من الاعتراف بأن النجاح لا يمكن أن يقاس بالأموال التي تدرها بل بالمقاصد الأخلاقية التي تحققها المقاولات.

معنى هذا الكلام، أنه وسط كل نشاط مهني أو شخصي سواء تعلق الأمر بشخص أو مؤسسة يجب أن نبحث عن الفضيلة فيه ونحن نؤديه؛ أن نبحث عن المعنى الأخلاقي، دون ذلك يصعب في نظري أن نتحدث عن النجاح، وحينما أقول: ’’وجب البحث عن الفضيلة والأخلاق فيما نقوم به.‘‘ ففي ذلك إشارة إلى محورية الأخلاق في رسم النجاح، حتى إني أجد نفسي قريبا من تبني رؤية إيمانويل كانط في رؤيته للأخلاق كواجب.

إن النجاح الذي يتوافق مع المعطى الأخلاقي هو النجاح الحقيقي، وما دونه لا يغدو سوى محاكاة للنجاح ما دام يفتقد للجوهر الذي هو المقصد الأخلاقي. فالسياسي الذي يتوق إلى السلطة من أجل تحقيق أغراض شخصية انتهازية دون أدنى شعور بالمسؤولية الأخلاقية تجاه من يفترض أنه يمثلهم، هذا السياسي لا يمكن أن يقال عنه إنه ناجح مع أنه، وقد بلغ السلطة، سيكون قد حقق المكاسب الاجتماعية التي تجعل منه شخصا “ناجحا” حسب التعريف العام للنجاح عند السواد الأعظم من الناس. وبطبيعة الحال، يظل هذا الكلام ساريا على المثقفين أيضا، أولئك الذين يتزلفون من السلطة عوض أن يقوموا بمهامهم التأطيرية والتوعوية والنضالية تجاه العامة، كما ينطبق على كل فئات المجتمع وشرائحه التي تعتقد أنها تتفوق وتنجح في تأدية عملها، لكنها لا تستحضر معاني وقيم هذا العمل، مقاصده وغاياته وعلة وجوده أساسا. كل هذا يسائل المسؤولية الأخلاقية لكل واحد منا، ولا سياق يدفعني إلى الإدلاء بهذا الرأي سوى ما أشاهده من نزوع الناس إلى الأنانية، والتكبر، والتذاكي والفردانية المقيتة، ظنا منهم أن مجرد بلوغهم لمرتبة مهنية أو منصب حكومي أو درجة علمية سيجعل منهم أشخاصا ناجحين، وهذا وهم كبير.

إن النجاح الذي أؤمن به هو ذاك الذي تجد الفضائل والأخلاق موطئ قدم فيه، وعلى اقترابي من التأثر بنظرية الأخلاق كواجب كما يدافع عنها الفيلسوف كانط، إلا أنني أعتقد أن التحلي بشيء من النسبية والبراغماتية في مقاربة الأشياء مهم كذلك، أعني أن الاتباع القطعي لمسار الأخلاق -إذا افترضنا الوقع السلبي الذي قد يجنيه علينا ذلك في سياقات متعددة- ليس مرغوبا ولا محمودا، لكن، لا بد من الاستمرار في البحث عن الأخلاق في كل حركاتنا ونحن نكابد من أجل النجاح، وسيظل المرء لأثر النجاح مقتفيا، إلى أن يعثر على معاني الأخلاق والفضيلة والخير، حينها، من حقه أن يعلن بأعلى صوته أنه شخص ناجح…ناجح بحق.