في نهاية سنة وبداية أخرى

يطل شهر ديسمبر بمعطفه الشتوي وهيئته الاحتفالية، يأتي على شكل قنطرة افتراضية تربط ماضي السنة بمستقبل ما بعدها، وتضمن تنقل المارة من ضفة إلى أخرى، وتؤكد على سيرورة الزمن الذي لا أحد من الخلق يملك السلطة على تعطيله وتوقيفه.

يخال لنا أحيانا هذا الشهر مناسبة للإعلان ولو ضمنيا عن النهايات الرسمية؛ بحيث نطمح فيه إلى توديع عادات لا تروقنا أو أحداث لا نرغب في إبقائها حية في الذاكرة، وأحيانا أخرى يبدو لنا شهرا لتتمة الحكايات التي شرعنا في كتابتها خلال أزمنة مختلفة من السنة.

كثيرون هم أولئك الذين يقومون بتقييم إنجازاتهم السنوية في هاته الفترة الزمنية المعينة من السنة، إما عن طريق كتابة ما أنجزوه من مهام وأهداف، أو عبر استرجاع كل تلك المخططات التي لم يستطيعوا تحقيقها وإعادة التفكير فيها بشكل مختلف، أو من خلال مراجعة ما حدث وما كان ينبغي أن يحدث بشكل عام. الأمر الذي غالبا ما يكون له انعكاسات إيجابية إذا أخذ بجدية. لكن لماذا ونحن نقارن سنواتنا الماضية نحكم على أحدها أو بعضها بالسيئة دون الأخرى؟

إذا كان تقييمنا بهذا الشكل يبنى على الفارق بين عدد الإنجازات المحققة والإخفاقات المباغتة، فإن ذلك يجعلنا أمام سؤال آخر، وربما أهم من سابقه: هل يمكن اعتبار الإخفاقات مؤشرا فعليا على الفشل ومن تم عاملا سلبيا في التقييم؟

يقول جورج برنارد شو: “أنت لا تفشل أبدا إلى أن تتوقف عن المحاولة”، ويقال في مثل شائع: “الضربة التي لا تقتلك تقويك”، ومنه فإن البأس ليس في السقوط أو في التعثر بين دروب الحياة، أو في الإخفاق مرة وثانية وأخرى، فذاك أمر حتمي يندرج ضمن قانون الطبيعة، وإنما المشكلة تكمن في الكف عن المحاولة، والمكوث مكان السقوط، والتذمر عن الخطب بدل تصحيحه. وبذلك فإنه من الأجدى ربط عدم التوفق في سنة معينة لا بعدد الإخفاقات، وإنما بعدد المرات التي تم التوقف فيها على إعادة المحاولة بشكل مختلف وبعزيمة متجددة وإيمان متوهج.

عدت بقطار الزمن إلى الوراء وحاولت استحضار أكثر السنوات التي كنت أجزم بكونها الأسوأ على الإطلاق، وجدتني أربطها دائما بذكريات حزينة؛ كوفاة شخص عزيز، أو مرض فرد من أفراد العائلة، أو انقطاع العلاقة بصديق ظننت أنه سيعمر معي إلى الأبد، أو بفشل مشروع خططت له بكل ما أملك من إرادة. تدبرت قليلا في الأمر وفهمت أن ذلك كان ينبغي أن يحدث لأكون ما أنا عليه اليوم، وأنه وإن لم أكن مسؤولة عما قدره الله علي (موت، مرض)، فإن لي جزءا من المسؤولية في طريقة تعاملي معه، وأن ما يصنع المرء هو عدد الانتكاسات التي مر منها، وعدد الخيبات التي أصيب بها، وإيمانه بأن دوام الحال من المحال، وبأن الله يقبع في داخله وأنه تعالى لا يفعل شيئا باطلا، وجزمت مرة أخرى ولكن بيقين أكبر أن تلك السنوات التي وصفتها سلفا بالسوداء كان فيها من الخير ما يجعلني ممتنة لقدر الله وحكمته إلى أن أفنى، حينها اجتاحت صدري بكل عذوبة وليونة الآية الكريمة التي يقول فيها الله عز وجل في سورة البقرة:

{وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.

إن ما ينبغي أن نتذكره في كل مرة نحاول فيها تقييم فترة معينة من عمرنا، سواء كان ذلك في ذكرى ميلاد أو في آخر سنة وبداية سنة أخرى، أو في وقت مستقطع وصادق مع الذات، أننا مسؤولون أردنا أم أبينا على ما نحن عليه في تلك اللحظة بالضبط، سواء كنّا عند مستوى تطلعاتنا لأنفسنا أو لم نكن..

حينما نتحمّل مسؤولية ما نحن عليه وننظر لأخطائنا المقترفة من باب المعالجة لا من باب الإنكار، ونتخطى مرحلة خلق أعذار ذاتية لما لا يعجبنا فينا بمواجهته. حينما ندرك أن القرارات التي نتخذها الْيَوْمَ هي التي تتحكم فيما سنكون عليه غدا، وأن أكثر علاقة ينبغي الحرص على بنائها ليست علاقتنا بشخص معين، وإنما علاقتنا بأنفسنا، وأن لا حال يبقى على حاله. حينما نوقن بأن النجاح هو كفاح وإصرار وتراكم لمحاولات متكررة قد تبوء إحداها بالفشل، وأن السعادة ليست ضربة حظ وإنما استعداد نفسي وجهد شخصي، حينها فقط قد نتغير للأفضل.