قراءة في أزمة القراءة

4

إن أي عمل ثقافي باعتباره نتاجا لمجهود فكري وثمرة لتعب وبحث وتدقيق، لا بد أن يتم احترامه وتقديره بمعزل عن الرأي الشخصي الذي لا يتم الاحتكام إليه إلا في مرحلة معينة من التحليل، بحكم أن اختلاف الأذواق وزوايا الرؤية يقابله دون شك تنوع في الآراء من شأنه أن يغني النقاش، لكن الغريب في الأمر أن علاقتنا مع الثقافة والإبداع أصبحت مبهمة وغير واضحة المعالم، بعد أن ساد معتقد مغرض أصبح يربط القراءة بالضبط والسعي نحو التنمية الذاتية للعقل بالمجانية، بل أن صفة “المثقف” ألحقت بمظاهر معينة مرتبطة بصور نمطية تدل على أن الوعي الاجتماعي ربما تم تضليله في مرحلة تاريخية ما لننتقل من عصر الكتاب إلى عصر العتاب غير البناء، لأن المواطن اليوم مستعد لأن يدفع ثمن كوب القهوة وعلبة السجائر ليقرأ جريدة تكلف 3 دراهم بالمجان، بل وينتظر ربما لساعة أن ينتهي الشخص الجالس بجواره من تقليب صفحاتها وملء خانات الكلمات المتقاطعة بعد أن يلعن حال الوطن الذي لا يتمخض كل صباح إلا أنباء الكوارث والأخبار السيئة في صورة سريالية مبهم، لأن ذلك الإبحار في الصفحات هو للأسف عند السواد الأعظم من رواد المقاهي -لتجنب التعميم- أكسسوار تكميلي لجمالية جلسة تأملية ربما تكون في الحقيقة عادة يومية استمرت طويلا إلى أن غاب عن الذاكرة، والذي قد يكون ثقب فراغ أسود في جدول زمني منهك فكريا.

لعل الإقبال الضعيف الهزيل على معارض الكتب والصالونات الأدبية إذا صح التعبير لخير دليل على هذه الهوة المتسعة بين الشعب وثقافته، بين من يفترض فيهم أن يكونوا قراء، والفوج الأخير ممن لا زالوا يحملون هم القلم، فمع أننا في زمن أصبح فيه تدفق المعلومات كبيرا وولوجها سهلا جدا، إلا أن المجتمع بمختلف فئاته يعاني نفورا شديدا من فعل القراءة، مما يدفعنا إلى التساؤل عما إذا كان هذا الهروب خوفا من مواجهة حقيقة انخراطنا في سيرورة تطور فاشلة أو اعتراف ضمني بأن الجهل الاختياري يكاد يطغى بقناعة عن الحاجة للمعرفة.

والغريب في الأمر أن المواقف المتسامحة التي تميل للانهزامية أحيانا والتي نتخذها في عدد من القضايا التي تهمنا بشدة كالمرتبطة بخدمات بسيطة يعاني المواطن للحصول عليها، ومحتويات تافهة تكلف جيوبها ضرائب غير مبررة تتحول بالمقابل إلى شراسة وتهكم حين يتعلق الأمر بالثقافة، بين قرصنة للإصدارات الفنية بشتى أنواعها ومعاداة جماعية للمنتجين والمخرجين ومطالبة بتقريب الفن من المواطن عبر صناديق الدعم العمومي التي لا تزال تدعم مشاريع فنية رديئة بالاتفاق والإجماع.

إن شباب اليوم لا يرى إشكالا في الحصول على المتعة والترفيه عبر مختلف الوسائل مهما كانت الكلفة المادية، ويجد ضالته في صيحات الموضة والإصدارات التكنولوجية ومختلف الهوايات التي صار ولوجها في المتناول، لكنه بالمقابل يجد حرجا كبيرا وضيقا في دفع ثمن زهيد مقابل كتاب فما بالك بالجلوس لقراءته، وهنا يجب أن نحاول فهم ما يكمن وراء اختيار التموقع المطلق في الأقطاب عوض البحث عن توازن بين مختلف جوانب الحياة، فهذا النفور هو حكم بالموت البطيء على أي عمل ثقافي قبل سبر أغواره، واستباق في الحكم على دوافعه وخلفياته الفكرية وأبعاده الجمالية لتثبيت القناعة والجزم بلا جدوى الدفع المسبق، وحتى عندما نغالب ذواتنا ونخرج من جيوبنا ثمنا بخسا لكتاب أو فيلم، نتحين الفرصة لاصطياد أي هفوة فنية ونوجه سهام النقد للعمل على أدق تفاصيله ثم نصبح جميعا خبراء ومحللين بينما في الأصل كل ما نقوم به هو الاستهلاك.

ولأن التثقيف يتطلب إرادة وتفاعلا ثنائي المنحى نرفضه ونقبل فقط أن نتلقى أي شيء، كل شيء، كسل وخمول عجيبين يعكسان رتابة قاتلة تطبع روتيننا اليومي وتجعلنا نمتعض من واقعنا إذ نقارنه بالغرب، لكن ماذا أخذنا من عادات الغرب إلا السطحي، فبدل أن نحلل عمق مشاكلنا ونبحث عن حلول لأزماتنا لخصنا نقاشاتنا في مواضيع أراها هامشية أمام ما يجب أن يقض مضاجعنا فعلا، وأستغرب كيف لا يؤمن شعب يعاني فقط مع قنوات الصرف الصحي -بمختلف معاني التعبير- بتفاهة هذه المواضيع، على الأقل في الظرفية الحالية، فالغرب الذين نراهم اليوم يعيشون وضعا طبيعيا ومستقرا نعتبره رفاهية مقارنة مع حالنا المؤسف، لم يبدؤوا تسلق سلم التنمية من الأعلى بل وضعوا إبان نهضتهم أسسا للعلم واهتموا بما هو بنيوي واعتنوا بالقيم والمبادئ، فقننوا الفكر وجمعوه في كتب، وعملوا على فصل السلط وتذويب الأحقاد ليسود احترام الاختلاف ولكي لا تنعكس الفوارق حتى على سبل التعلم، وما جعلنا نحتل اليوم المراتب المتأخرة في نسب القراءة هو ذلك الربط بين الكتاب و”النخبة” المجتمعية، وهي ظاهرة يتحمل فيها حتى الكتاب والأدباء مسؤولية كبيرة بابتعادهم عن هموم المواطن واكتفائهم بصيانة ذوق الفئة التي تقطن أعلى الهرم، فمنهم من تنكر للغة الأم وهاجمها كلما أتيحت له الفرصة، وليس العيب هنا أن تكتب بلغة أجنبية ولكن العيب أن تمحو من ذهنك ثقافتك وتعتبرها عدوا قبل أن تجرب التحالف معها، ومنهم من اعتقد أن بيع بضع نسخ من كتاب يخول له الاستعلاء على العامة.

أما الجانب الآخر من هذه الأزمة فيتحمله التعليم بكافة المتداخلين في منظومته، فقد أصبح جليا اليوم أن هناك غيابا تاما لأي إرادة لتوجيه هذا المجتمع نحو القراءة، فالكتاب نادر إن لم نقل غائب تماما عن مدارسنا، وحتى عندما تحتضن مؤسسة تعليمية مكتبة نجد أننها تتضمن أعمالا عقيمة فارغة المحتوى غير قادرة على تحفيز عقل القارئ اليافع وتغذية نهمه للمعلومة، وهنا يحسم الكثيرون موقفهم من القراءة إلى الأبد، ليبقى للكتاب قلة من الرفاق، يصنفون في خانات تجسد انعكاس الوضع الاجتماعي على الوضع الفكري، فمن يتلقون تكوينا في المدارس الخاصة يغلقون على نفسهم داخل قوقعة الروايات الفرنسية، يصاحبون “ألبير كامو” و “ألكسندر دوماس” ويهتمون بالبؤساء الذين يحكي عنهم “فيكتور هيجو” أكثر من اهتمامهم ببؤساء يقاسمونهم التاريخ والجغرافيا، أما الفئة الثانية من أبناء الشعب الذين يلجون الجامعة فلا يجدون أمامهم غالبا إلا خيارات محدودة، أما أن تبتدأ مسيرة القراءة برواية يحددها المنهج التعليمي لمن يختارون التوجيهات الأدبية أو ربما نحو كتاب رأس المال لـ “كارل ماركس” ثم الانتقال إلى ترجمات أعمال “لينين” أو “ماو تسي تونغ” لنبدأ في لوم الإمبريالية التوسعية على وضعنا المزري ونعتقد أننا فهمنا ما يقع في العالم قبل الاطلاع عليه، أو نجد المخرج في الإصدارات ذات الخلفية الدينية لينتهي بنا الأمر في خانة التخصص ونسجن أنفسنا داخل قالب فكري أصغر بكثير من درجة الانفتاح التي يستطيع عقلنا الوصول إليها.

وهنا سأقتبس من مقالة للأستاذة فاطمة الإفريقي كتبت فيها “نقتسم مع الأصدقاء الأقوال المأثورة للأدباء والمفكرين عبر حساباتنا الافتراضية، نعطي الانطباع بأننا مثقفون، وحين نتجول في المكتبات الفسيحة نكتفي بتأمل العناوين المُغْرية، وبالارتواء بعبق الكتب في الرُّفوف وبلمس أوراقها الصامتة، ونتأسف لثمنها الباهظ، ونحن نتلذذ، في المقهى المجاور، بمثلجات غنية بالسكَّريات الضارة، وأغلى من الكتاب في القيمة المادية…”.

إن أي مجتمع غير واع بقيمة الكتاب وقدرته على تغيير الواقع لن يستطيع التقدم نحو الأفضل، ولن يجابه تطورات الزمن وتقلباته، وإن لم يكن الكُتاب على وعي تام بدورهم التاريخي في تنمية الوعي المجتمعي، واكتفوا بموقفهم النخبوي مع أن أغلبهم خرج من رحم نفس المعاناة التي نقتسمها جميعا، فلن نستطيع أن نختزل هذه الهوة بين القارئ والقراءة وبالتالي بين المواطن وحقوقه أو بين الفرد ونفسه ومحيطه. وسنبقى عالقين هنا نتأمل الإقلاع في شتى بقاع العالم ولا نفهم المفارقة العجيبة بين الأوراش الكبرى ومطالبنا الصغرى، لأننا نستمر في استهلاك ما يطفو على السطح من ثقافة الآخرين ونتجاهل ما هو قادر على تهذيب فكرنا وجعلنا فاعلين حقيقيين، لا مفعولا بهم يخدمون أجندات معدة مسبقا.