قصر النظر من عدم السفر

السفر إنتقال من أرض تحكمها قوانين وأعراف وعادات وتقاليد ومجموعة من الأفكار المتوارثة إلى أرض أخرى نجهل طبيعتها وخصائصها، ومن حالة نفسية استمدت الكثير من مكوناتها مما يحيط بها من بشر وقيود إجتماعية إلى حالة أخرى تتجلى بحسب جمالية وتحديات الأرض الجديدة؛ خلال هذا الإنتقال يتغير حالنا ليناسب الأرض الجديدة التي لا يربطنا بها شيء، سوى بعض الأحكام المسبقة والأفكار المبنية للمجهول.
فنكتشف هذا المكان المجهول، ومن خلاله نستبين أمر أماكن نفوسنا المبهمة والمظلمة التي تبدأ بالتجلي والظهور لتشارك في إستيعاب هذا العالم الجديد وتتذوق جماله وتواجه تحدياته.
لطالما اعتبرت السفر أجمل وأمتع مدرسة في الحياة، التي لا بد للباحث في معاني الوجود أن يمر من أقسامها وينهل من دروسها اللامتناهية. ولطالما اعتبرت السمو الروحي المرافق للسفر أمتع درس على الإطلاق.
كل من تتلمذ في مدارس الترحال والتجوال تغيرت رؤيته للعالم، ووقف من خلالها على وجهه الحقيقي، بعيدا عن جرافات التضليل الإعلامية وإنزلاقات النفس في الحكم المسبق على الأشياء بما يناسب هواها.
السفر يسهِم في توضيح رؤانا، وتوسيع معارفنا، وإضفاء المعنى على حياتنا، والتخلص من رتابة الاستقرار الدائم في مكان واحد.
إلا أن الكثير من الناس لا يستفيدوا من أسفارهم كما ينبغي لأن ما يفعلونه خلال تجوالهم هو إعادة نفس تجارب أسفارهم التي تشبه إلى حد كبير أنماط حياتهم في أماكن وفنادق مختلفة : نوم، إسترخاء، سباحة، لعب، قراءة جرائد ومجلات، تسوق، مطاعم وسهرات.
ما هي المعاني التي سيستفيدها المسافر إن عاش برفاهية في فندق خمس نجوم وسط بلد إفريقي أو لاتيني أو آسيوي منهك ؟ أليست من أبجديات السفر الذوبان في النسيج المجتمعي للبلد والإحساس بما يحس به الناس الذين يعيشون فيه عِوَض النظر إليهم والتعامل معهم وكأنهم كائنات فضائية أو مخلوقات غريبة خلال نزهات مؤطرة وكأنها تنظم إلى كوكب غير الذي يعيشون فيه ؟
الكثير ممن يسافرون لا يرحلون بأرواحهم إلى الأرض الجديدة ولا يعطون لأنفسهم فرصة عيش حياة مختلفة أنهم لا يتجردون من الهوية التي استمدوها من ملكاتهم وممتلكاتهم، من مهنتهم وأموالهم وأولادهم. لا يرحلون بعيدا عن ذواتهم ليصيغوا لها معالم غير تلك التي رسمتها لهم مجتمعاتهم وعرفتها لهم ظروفهم. فتضيع الغاية الكبرى من السفر ألا وهو إزالة الأقنعة التي تغطي الوجه الحقيقي للذي يخوض تجربة الإغتراب عن ذاته الوهمية التي حددها له بلد إقامته والتقرب ما أمكن من كنه الحقيقي الذي يظهر في وسط محايد جديد.
 
الناس تتقيد بوجهات معينة لكي تتناسب مع مستواها الإجتماعي؛ وتحتم على نفسها قضاء نفس العطل التي قضاها فلان و بنت علان لكي تناسب رفاهية و رغد معيشتها اليومية، وبالخصوص لكي تثير انتباه و اهتمام من يشاركونهم مشاريع التكاثر وموائد التفاخر وجلسات التباهي. الناس تتوق للمحطات السياحية المشهورة عالميا بكونها قبلة للمشاهير و رجال الأعمال وورثة الأموال لأنها متعلقة بالصور الذهنية التي رسمها الإعلام بإحكام في دواخلهم.
هناك المئات بل الآلاف من المواقع الأكثر جمالا و الأقرب مسافة و الأرخص تكلفة، لكنها أقل شهرة وليست لها رنة ميامي أو غنة بورابورا أو جنون كانكون أو شهرة كوستا ديل سول أو أناقة باريس أو رومانسية فينيسيا، أماكن بسيطة لكنها مليئة بالقصص والحكايات وتترك الأثر الكبير في نفسية المسافر وقد تغير نظرته وطريقة تفكيره لأمور كثيرة من حوله كأن يجد لذة العيش في الأمور البسيطة لأنها مليئة بالمعاني أو أن يحس بالوحشة في حياة فاخرة لأنها سطحية.
أصبحت المتعة و الترفيه والسفر مرتبط ب”الإسم” الذي يحكم ألبسة وحلي وحارات وسيارات الناس، و كأن الغنى المنشود أفقد البشر حرية التصرف والإختيار والملبس والمأكل، وكأن الممتلكات هي التي امتلكت الناس وليس العكس. فتراهم يتكلمون و يتحركون بنفس الطريقة ويترددون على نفس الأماكن و يهتمون بنفس الأشياء، لأنهم تعارفوا ضمنيا على أنه لا يستوي المرء أن يدخل في خانة “السعداء” حتى يكون لديهم مجموعة من “أسماء” الأشياء و يزوروا “أسماء” أماكن معينة. فيحس الذي لا يستطيع أن يطير إلى قارة أخرى ولا أن يزور مجموعة تعريف الأماكن المعروفة بأنه خارج مجموعة تعريف البشر؛ ويحس الذي ليس لديه المال لكي يقفز بمظلة أو أن يغوص تحت الماء بأنه يغوص في حياة اللامعنى، ويدرك الذي لا يطوف في رحلة بحرية على الشواطئ الأوروبية الساحرة والذي لم يأخد ولو صورة واحدة مع إحدى عجائب الدنيا السبع بأنه أعجوبة الدنيا الثامنة.
 
المغامرة الفعلية التي تصالح الإنسان بذاته تتطلب تواضعا وألفة وقناعة وحبا للمسكين والمقهور ورغبة صادقة لفهم لغز الإنسان الذي يختلف من شعب إلى شعب؛ رغبة لفهم لغز الطبيعة كذلك التي تتزين من أرض إلى أرض. مغامرة تدل على وحدة الخالق الذي تثبته اختلاف و تلون و روعة مخلوقاته؛ هذه المغامرة الفعلية لا تأخذ راكبها إلى المطاعم الفاخرة أو المراقص الجنونية أو الشواطئ الخاصة التي تحدد برامجها وكالات الأسفار أو عقلية التبعية التي تلقي بظلالها حتى في السياحة، ولكنها مغامرة يتجرد فيها الإنسان من كل الأفكار و المفاهيم التقليدية التي تجعل من العطلة موسم للخمول و الكسل وقراءة الجرائد الساذجة و الانبطاح على البطون للتسفع و ما إلى ذلك من المناسك الترفيهية التي يؤديها كل الناس في كل سنة؛ المغامرة التي أتكلم عنها، بالإضافة إلى أنها تأخذ راكبها إلى أراضي تنبض بالثقافة و تمتلئ باللوحات الطبيعية الجميلة و تعرف الزائر على طرق تفكير جديدة ووسائل عيش هادئة و بسيطة و شعوب سعيدة، فإنها تساهم في تنمية اقتصاد دول فقيرة وتسهم في اكتشاف أنماط عيش شعوب قريبة من تركيبتنا النفسية والإجتماعية. هناك في إفريقيا السوداء كتنزانيا وزيمبابوي و كينيا طبيعة تنسي الإنسان همومه و أحزانه بسحرها وثقافة تعود إلى ألاف السنين و مرآة يرى فيها الزائر ظلم النظام العالمي الجديد و قسوته على القارة السمراء؛ وهناك في الدول العربية كسوريا و الأردن و لبنان و فلسطين و اليمن و مصر و تونس و موريتانيا مجالس ومساجد و معالم تاريخية تحكي دروس بليغة، ترجع الإنسان إلى أصله و تذكره بزمن غزته؛ ثم هناك في دول أعجمية كتركيا و ماليزيا و اندونيسيا و بنغلاديش والهند و الدول المنتهية ب”ستان” و التي تضم إحداها الجبال الثلجية الشاهقة و الثقافة الشعبية الأصيلة و الحكمة البليغة بينما تزخر الأخرى بالتجارب الاقتصادية الناجحة والعقلية الإيجابية المبدعة و الأخلاق المهذبة
 
‎مثل هذه الدول هي الأحق بأموالنا و الأجدر باهتمامنا و الأنسب للأيام القليلة التي يتركها لنا العمل بينما نحن في أمس الحاجة إلى دروس الجمال و التاريخ و الثقافة و الحياة بصفة عامة التي توفره لنا.
 
‎فإن لم تتيسر سبل السفر البعيد فإن المتغرب عن راحة المقام ولو لبضعة أميال في بضعة أيام سيناله نصيب من المعاني المذكورة إن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد
 
‎يقول الشافعي :
‎ما في المقام لـذي عقـلٍ وذي أدبٍ
‎من راحة فـدع الأوطـان واغتـرب
‎سافر تجـد عوضـاً عمـن تفارقـه
‎وانصب فإن لذيذ العيش في النصـب
‎إني رأيـت وقـوف المـاء يفسـده
‎إن ساح طاب وإن لم يجر لم يطـب
‎والأسد لولا فراق الأرض ما افترست
‎والسهم لولا فراق القوس لم يصـب
‎والشمس لو وقفت في الفلك دائمـه
‎لملها الناس من عجـم ومـن عـرب
‎والبدر لولا أفول منه ما نظرت
‎إليه في كل حين عين مرتقب
‎والتبر كالترب ملقـي فـي أماكنـه
‎والعود في أرضه نوع من الحطـب
‎فـإن تغـرب هـذا عـز مطلـبـه
وإن تغـرب ذلـك عـز كالـذهـب 
 
‎وإن تغـرب ذلـك عـز كالـذهـب