قوت القلب السحري

“حب” كلمة مجرد نطقها أو سماعها تتبادر إلى ذهن كل منا أسئلة ومفاهيم ومعان كثيرة تجعلنا نغوص في الأعماق ونحاور أنفسنا، ما معنى هاته الكلمة؟ هل هي موجودة وملموسة واقعيا أم أنها مجرد خيال ووهم وتعبير يتغنى به الفلاسفة والكتاب والشعراء؟ ما مدى تأثيرها على الحياة البشرية؟ وهل يمكن العيش دون هذا المفهوم الغامض الذي حار علماء الكون في وصفه وتفسيرة ومنحه المكانة والقيمة الحقة التي يستحقها، منذ الأزل إلى يومنا هذا؟ سأحاول جاهدة الإجابة عن هاته الأسئلة بالتفصيل فيما يلي من المقال إن شاء الله.

لطالما عرف الحب لغويا بأنه ذاك الإحساس العظيم والقوي الذي يشعر به المرء تجاه شخص ما، الأمر الذي يجعله ينجذب له عاطفيا بشدة فيرغب في مشاركته جميع لحظات حياته والبقاء معه للأبد، كما يعرف أيضا بأنه مجموعة من المشاعر المعقدة التي تنتج عنها العديد من التصرفات والأفكار المنسوجة بعواطف قوية، تحكم المرء وتسيطر على كيانه وإحساسه فتجعله يرغب في حماية الشخص أو الشيء الذي يحبه. ولعلم النفس والدماغ وعلم الكيمياء أيضا نفس التعريف، يكمن الاختلاف فقط في تحليلهم وتفسيرهم للمفهوم بشكل أدق وأعمق، إلا أن للفلاسفة رأي آخر؛ فتعريفهم للحب يختلف عن تعريف الذين سبقوا؛ حيث تنوعت مفاهيمه لديهم واعتبره بعضهم مجرد كلمة لا تعبر عن شيء ملموس ومعقول، كما يراه الآخرون مجرد تأثير قوي ووسيلة عظيمة للسيطرة على الكيان والعالم بصورة غير رجعية، وآخرون فضلوا عدم تفسيره وتركه في عالم بعيد عن الفضول والتطبيق والبحث.

لكن، يبقى أرقى وأشمل تعريف لهذا الإحساس هو التعريف الإسلامي الشامل لكل معانيه؛ حيث عرفه القرآن الكريم بطريقة استثنائية في آية تعبر عن عظيم المودة والرحمة، إذ قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} كما جعل له الإسلام صورا عديدة منها حب الله تعالى، وحب رسوله الكريم، حب الوالدين وحب الزوج، ولهاته الصور الكثير من الأدلة والبراهين سواء في القرآن الكريم أو السنة النبوية التي تؤكد ذكر الإسلام لهذا النبض الذي لولاه لما استطاع الإنسان أن يحيا في سلام وأمن وطمأنينة وتصالح مع الذات. من بين هاته الأدلة نجد حديثه صلى الله عليه وسلم حين كان يعلن حبه لأصحابه فقال صلى الله عليه وسلم: «إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه» كما أظهره كذلك عليه الصلاة والسلام، في الكثير من المواقف مع زوجاته وخير مثال قصة حبه العظيمة التي عاشها مع زوجته خديجة رضي الله عنها.

أين تكمن أهمية الحب؟ وما مدى تأثيره على البشرية؟

مقالات مرتبطة

“الحب أساس الحياة” عبارة لخصت واختزلت الأهمية القصوى والدور الكبير الذي يقوم به هذا المحرك وما يرتبط به من أحاسيس، والتي لا يمكن للحياة ولا المجتمعات البشرية أن تستمر إلا به؛ لأنها ببساطة سوف تتحول إلى غاية تحكمها المصلحة والفائدة وهذا ما يناقض الطبيعة والمنطق الرباني. كما أن لعلم النفس نظريات كثيرة تؤكد وتحث على مدى أهمية الحب في حياة الإنسان، كونه احتياج إنساني لا غنى عنه؛ فهو السبيل للوصول لحالة من التوازن النفسي، والدرع الواقي من متاعب الإنسان النفسية والمتمثلة في دائرة القلق والضياع والاكتئاب.

وكما نعلم أن للإنسان عقل وقلب، أو كما يقول علماء النفس المحدثون: الإنسان عقل وعاطفة، لا يستغنى عن واحدة من هاتين، فأول ما يتجلى في العقل التفكير، وأبرز ما تتجلى فيه العاطفة الحب، لذلك، فلكل كائن خلق ويحيا على هاته الأرض قوت يضمن استمرارية حياته، وقوت القلب هو الحب، هذا لا يعني أنك لن تعيش بدون حب، بلى، ستعيش لكنك لن تكون أبدا، ولن تحس لا بقيمة حياتك ولا بمن هم حولك، فما دمت لم تملأ قلبك حبا، فكن على يقين أن الكره يستعمره شر الاستعمار، تماما كفلسفة الماء والهواء اللذين يصارعان بعضهما عن نفس المكان، وهنا تأتي الإجابة عن آخر سؤال، فهل حقا يمكننا أن نحيا دون هذا الشعور النبيل؟

والإجابة ستكون كالتالي: لا يمكننا العيش دونه البتة؛ فالحياة دونه عناء وشقاء؛ كيف تستمر الحياة وأنت الضيف الذي نبحث عنك أياما وشهورا وسنوات، وأنت الذي يباغتنا كضيف يعشق المفآجات، تقتحم عالمنا وتدخل قلوبنا دون طرق باب أو استئذان، نعم، فأنت سبب وجودي، سبب فرحي، ولن أقول أبدا أنك سبب حزني؛ لأنه لم يخطر على بالي يوما أن اعقد صفقات مع أي من أعدائك.

دمت لي خير صديق، وأدام الله لك قلبي أدفأ بيت، وسأختم بمقولتين شهيرتين تبين أهميته وأثره في حياتنا وبعد مماتنا، الأولى لمويير شفارتز، يقول: إن “أهم شيء في الحياة أن نتعلم كيف نحب ونسمح للحب بدخول قلوبنا.” والثانية للكاتب الشهير عبد القادر مطاوع والذي قال: إن الحب كالدنيا كما وصفها الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، إذا أقبلت على الإنسان كسته محاسن غيره، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه.”