قيل عن الحب…

سنحط الرِّحال على مشارف باب كلمة بهية وبديعة لطالما كانت قريبة لقلوبنا وعزيزةً علينا. «الحب» إنه المُكَمِّل لنا ولكل شيء لم يكتمل على بساط الحقيقة، بل إنه الترياق الشافي لكل داء والعقار الذي يتداوى به كل من يمشي على سطحه، الحب أسمى العواطف بل وأكثرها شاعرية ورِقّة، لا سيما ذلك العنيف الشديد الهائج، ذلك القويم الذي لا تحركه رياح قدرٍ هوجاء ولا أمواج زمان عاتية والصافي من كل الشوائب كالخذلان والغيرة المفرطة.

هو خيطٌ رهيف قد تتمسكُ به للأبد أو تفلته في لحظة من الزمن، أو دعني أقول: ككوب قاتم من القهوة قد ينسكب على الأرض هفوةً أو قد تتمتع به وأنت تصول وتجول بنظرك من النافذة تمعن في مجريات يوم ماطر، الحب شعور ذكي ويقبل كل الاحتمالات؛ قد يكون ضعيفا واهنا لا يقوى على مجابهة أرق الأيام وبؤس الانتظار، وفي لحظة يعانق فيها أحد الطرفين بعضهما البعض تتحول تلك الشرارة الآفلة إلى لغم على أعتاب الانفجار أو بركان لا يبقي ولا يذر.

هو بنيان يشيده إثنان تحت ألطاف السماء وبمشيئة القدر، ويتغذى على التضحيات والصفح والمسامحة، وفي حال أفلت الآخر قبضته وسحب يده تاركا الثقل كله على طرف واحد؛ فالخيط الرهيف الذي تحدثنا عنه يصير سهوكا وسهوجا سيأتي على كل شيء فلا يبقي سوى الحطام، خصوصا إذا آلت الظروف لأسوأ وأعانتها أيادٍ خفيةٌ على ذلك، ويأتي في مقدمتها الانتظار وبعد المسافة.

مقالات مرتبطة

هو بنيان لا بد أن يكون متينا وأن يأخذ وقته الكامل حتى يصبح عاليا شاهقا لا تمتد له أيادي الشامتين، ولا تصله أعين الحاسدين الحانقين، حقول المحبة وجسور العِشق جميلة وشاسعة تتسع لكل شجاع شغوف محب للتحدي بل ومُستعدٍ للتضحية بالغالي والنفيس في سبيل إنجاح المهمة وبناء الكيان، تتسع لكل شخص قد يذهب إلى أبعد نقطة في الكون بغية شيء واحد وفي سبيل هدف واحد ووحيد.

هناك لحظات حينما يتخلل الضعف وتفقد العلاقة بوصلتها فيخطئ ويتعثر أحد الطرفين فيترنح ويخرج عن المسار المرسوم، يهيم بريق الحب ويأفل، وتأتي أيام أحرُّ من الجمر لا يقوى فيها أحدٌ من الطرفين على هز شفتيه ضعفا وحزنا بعدما اعتاد أن ينفجر التعبيرُ من فمهِ ثرثرةً لا تنتهي، وهنا لا بدَّ من التحمل ببسالة والمواصلة بشجاعة في سبيل هذا الشعور النبيل، المُحَبُّ كيان يُؤخذُ بأفولِه قبل بريقه وبضعفِه قبل توهجِه بل وبانكساراته قبل قوته وعزيمته، الحب مزيج من عسلٍ وعلقم، بل وقد يبدو متناقضاً في مرات عدة، لكن لا مناص من الحفاظِ على رباطة الجأشِ وعلى رزانة النفس، ليس كل ما نرجوه من العلاقة وما نتصوَّرُه في بادئِ الأمر قد يتحقق، بل هناك مضمار طويل ليس مفروشا البتَّةَ بالورود والكفاح، أمر تحتمه طبيعة هذا الشعور فهو من أساسيات العلاقة بل وعمادُها القويم.

الحب سلاح ذو حدين وشيءٌ يقبل كالاحتمالات كما قلتُ سابقا، فقد يبدو خيطا رهيفا نفلته في أي لحظة كما قد يكبر ويتجبر فيصير كجبل عتي شاهق لا تحركه رياح الزمن، إن لم يحسِنِ المرء التصرف قد يضيع في طريق لا عودةَ منه، فيصبح كمن يمشي على حافة التيه بغير هدى، حينما لا يجيدُ المرءُ التصرف بعقلانية ورزانة قد يحَطِّمُ كل ما تم بناؤه في لحظة واهية من الزمن بعدما تم استغراق أعوام وأشهرٍ ومجهودٍ ليسَ بالهيِّن، وبهذا يحَطِّم أوصاله وأوصال الطرف الآخر، ويحمِل عبئا ثقيلا بل ورزمة من التعاسة فالمرارة والأسى. لا بد من التحلي بالصبر والكفاح الطويل بل ومواجهة الخصامات بقلبِ أسدٍ حتى تُظافر الجهود فتُجبر الخواطِرُ وتندثر الصراعات، في الخصامات كما في الشدائد على كل طرف أن يتغدى على فتات الحنان الضئيل وأن يحشر كل الخيبة والانكسار في عمقِ الأرض بل ودفعها للقاع.

المُحِبُّ شخصٌ يصطبر ويدعو الله رجاءً في أوقات الشدَّةِ والحرج بل ولا ينسى الفضلَ، العشيقُ شخصٌ يراقِبُ بزهو في الذكريات البهية ولا يختلق صراعا من اختلافٍ بسيط، بل يقتاتُ على نفحات التفاؤل التي تداعب خده بين الفينة والأخرى، هو شخصٌ يصفح ويسامح ويتلقى الصفعات واللكمات بقلبٍ فرح في سبيل الكيان وبغيةَ حفظِ الشراكة من الضياع، الحب أسمى الشعور وأنبلُ العواطف وله طاقة تتعدى أن يستوعبها العقل الإنساني. كيف لا وهي تبعث عددا من المساكين المدمرين من رمادِ خيباتهم بل وتحول الشخص من عقاب كسيرٍ لا يقوى على الحراك إلى عنقاء متوهجة وجامحة بل وهائجة، فتطير وتزين السماء كبد ليس منهُ بد، شئنا أم أبينا فالحبُ القوي شيءٌ راسخٌ كالنقوش البابلية التي لا تُمحى بعُنفِ الزمن بل هو البلسم الشافي والترياق الطبي النافع والذي يقضي على كل السمٍّ الزُعاف الذي يعيش مندسًّا في جوف عديدٍ ممن قَستْ عليهم الحياة ونزعت بذور الحب من قلوبهِم، الحياة من دون حبٍّ هي خريف يُمَهِّدُ للسقوط والذبول فالأفول كيف لا والعيشة في القلوب تغدو ربيعا مخضرًا حينما تنتعش هذه الأخيرة حبًّا!

1xbet casino siteleri bahis siteleri