قيمة أخلاقية

كل منا يعلم أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه لا يمكنه العيش بمفرده، لذلك يسعى دائما إلى التعامل مع الناس على أساس المخالطة الإيجابية التي تنبني على الحب والوفاء والتقدير بغض النظر عن عرق الفرد وديانته وطبعه وهويته. وكل منا يعلم جيدا أن كل علاقة يتم بناؤها إلا وينبغي أن تتوفر على قيمة عظيمة ألا وهي الاحترام. فكيف نغرس قيمة الاحترام في أبنائنا؟

إن الاحترام هو أحد أهم القيم الحميدة التي يمكن من خلالها بناء قيم أخرى، ويمكن اعتبارها نوعا من الذكاء الأخلاقي الذي يساهم في اكتساب التصرفات الحسنة؛ كالتعامل بالرحمة والقدرة على التمييز بين فعل الخير وتجنب فعل الشر. ولأن الإنسان عبارة عن كتلة من الأحاسيس المتناقضة حيث نجده أحيانا يسعى إلى إبراز ذاته وسماته الخاصة وتفضيل مصالحه الشخصية على مصالح الآخرين، بدافع غريزة حب البقاء أو نجده يتصرف بظلم أحيانا بسبب دوافع خارجة عن إرادته، إلا أن الإنسان في الحقيقة يسعى دائما إلى إبداء التعامل الطيب مع الغير ويهدف إلى نشر المحبة والإخلاص والوفاء.

بهذا، تكون الحياة عبارة عن امتحان صعب يجعل المرء يتصارع مع الصواب والخطأ وهو ما يستلزم التصرف بحكمة وعقلانية. ولنا في ديننا الحنيف خير قدوة، يقول ﷺ: «ما أكرم شاب شيخا لسنه إلا قيض لله له من يكرمه عند كبر سنه.» لهذا، حبذا لو يزرع الوالدان هذه القيمة الأخلاقية في نفوس الأبناء وتوفير جو من الاحترام المتبادل ليكتسبه الطفل من خلال تعاملنا وتفسيراتنا لأحاديث عن الرسول ﷺ في كيفية التعامل مع الصغار والكبار وتجسيده في أي زمان ومكان.

يتجلى الاحترام في كسب رضا الله ثم رضا الناس بالتصرف معهم بلطف، والتحدث بأنس، وخلق فرص الاختيار وإصلاح الأخطاء المقصودة وغير المقصودة مع تقدير أفعال الطفل والثناء عليه ليشعر بأنه إنسان يحترم من قبل الجميع. قد تكون للإنسان ثروة وجاها كبيرين، وقد يحصل على مكانة رفيعة في المجتمع إلا أنه لن يكون ذا قيمة إذا غابت منه خاصية الاحترام. وفي كثير من الأحيان تجد بيئة يسودها عدم الاحترام؛ حيث تتكون من أناس لا يعطون للاحترام وجودا ولا يحسنون اختيار الكلمات ولا يضعون وزنا للعبارت. كل هذا لا يشمل كلمة الاحترام التي تخص كل مجال وكل فرد مسؤول عن تصرفاته ومحاسب عليها.

مقالات مرتبطة

من هذا المنطلق نحث الوالدان على تعليم ابنهما احترام ذاته بإنجاز الواجبات وتقبل الخطأ والصواب، ومساعدته على معرفة ذاته بحيث يعبر عما يشعر به، والأهداف التي يطمح إلى تحقيقها ثم تشجيعه.

في حديثنا عن الاحترام الذي يشمل القيم والسلوكات التي لا تعد ولا تحصى، فإن احترام الطفل لوالديه مهمة صعبة تقتضي الجهد الدائم من الآباء الذي تحكمه مجموعة من المبادئ والأسس التي لا تقبل الحياد. لهذا يحتاج المرء مراجعة نفسه دائما لينشئ جيلا محترما يلتزم بقوانين المنزل الدينية والنظامية، وعلى الوالدين الالتزام بالملاحظة الدائمة لسلوك الطفل قصد توجيهه حيثما دعت الحاجة. وهذا ما كان يفعله سيدنا لقمان عليه السلام مع ابنه مرشدا إياه إلى آداب للاتصاف بها، وجاء في قول الله تعالى:  {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان: 18-19].

إن الاحترام ضرورة أخلاقية تقتصر على الحسنى والموعظة للتعلم وتربية جيل ركيزته الأساسية الاحترام، مما يساعده على تعلم الآداب الإسلامية التي لها صلة بهذه القيمة العظيمة. وبها يكون المرء متميزا، ورسالته واضحة، وطريقه سهلا وسلسا، ومنه يكتسب المحيطين به الخصال الحميدة.

في زماننا هذا أصبحت فئة قليلة تتحدث عن الاحترام وتسعى إلى اكتسابه كصفة وتعمل على نشره بين الناس. فما أحوجنا إلى الوقوف على تعلم الاحترام بداية بالكبار ليعلموا الصغار، وما أحوجنا إلى أخذ الدروس الدينية التي تساهم بشكل كبير في تحسين ذواتنا وأفكارنا وتعمل على تقوية إيماننا. هنا يأتي التركيز على الأسرة التي تقوم بدور أساسي في ترسيخ القيم من مرحلة الطفولة ليترعرع الصغير في بيئة تمكنه من تبادل الاحترام بين الآخرين. هناك حالات لا حصر لها في هذا الصدد؛ نساء لا ينلن الاحترام الكافي من أزواجهم، والوالدان اللذان يعيشان أقصى أنواع التهميش من طرف أبنائهم، وغيرها من الحالات التي لا تعد ولا تحصى. لهذا، يكون تعليم الطفل الصغير الاحترام ضرورة وواجبا أخلاقيا ينبغي على كل الآباء تعلمه من خلال القرآن الكريم والسيرة النبوية؛ لأنه السبيل لتحقيق مجتمع فاضل ومتقدم وهو أساس الإصلاح.

1xbet casino siteleri bahis siteleri