كابوس COVID 19

يا ليته كان كابوسا…بل هو حقيقة غير منتظرة تقبلناها بين ليلة وضحاها، فأصبح الغد مجهولا والحاضر مخيفا.
كل يوم نتابع الأخبار المتتالية المفجعة، عبر جميع القنوات الفضائية التي تنقل كل ما يخص ويتعلق بموضوع واحدا لا غير. تعلن كل ساعة عن أعداد جديدة من المصابين والضحايا، تنقل ٱراء مختلفة لمختصين من مختلف الجنسيات، لكن رأيهم واحد. يجمعون على أن البشرية أمام ٱفة صحية غير مسبوقة، خطيرة، تهدد اقتصاد جميع البلدان القوية منها والنامية.

تابعنا كل جديد دون توقف بارتعاب جلي، مترقبين ما سيحمله الغد المقبل.

ولأول مرة نحس أننا في حرب عدونا فيها لا نراه ولا ندركه تماما، عدو مجهري يغزو العالم دون توقف، لكننا أدركنا شيئا واحدا، أننا لسنا في حلم، إنها أزمة الفيروس المستجد كورونا (كوفيد-19).

فيروسات كورونا حسب منظمة الصحة العالمية ”هي فصيلة كبيرة من الفيروسات التي قد تسبب المرض للحيوان والإنسان. والمعروف أن عدداً من فيروسات كورونا تسبب لدى البشر حالات عدوى الجهاز التنفسي التي تتراوح حدتها من نزلات البرد الشائعة إلى الأمراض الأشد وخامة مثل متلازمة الشرق الأوسط التنفسية والمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة (السارس). ومرض كوفيد-19 هو مرض معد يسببه فيروس كورونا المُكتشف مؤخرا”.

أي أننا الٱن نعيش ٱفة صحية جديدة على المنظومة الصحية العالمية. نكتشف يوما بعد يوم حقيقة هذا الفيروس وما هي حدوده، إذ يهتك بالجهاز التنفسي فيصبح شفاء المريض متوقفا على ربطه بأجهزة التنفس الاصطناعي أو بالطبع التداوي بلقاحات لم تكتشف بعد.

شيعت أعراض هذا المرض عبر كل وسائل التواصل الاجتماعي، فقد حصرتها منظمة الصحة العالمية في الحمى، والسعال، وضيق النفس، والتعب، والألم العضلي.

حيث أشارت مراجعة منظمة الصحة العالمية لـ55,924 حالة مؤكدة مخبريًا في الصين، التي تعتبر مهد هذا الوباء القاتل، إلى الأعراض والعلامات النموذجية التالية:
الحمى (87.9%)، والسعال الجاف (67.7%)، والتعب (38.1%)، وإنتاج القشع (33.4%)، وضيق النفس (18.6%)، والتهاب الحلق (13.9%)، والصداع (13.6%)، والألم العضلي أو المفصلي (14.8%)، والقشعريرة (11.4%)، والغثيان والقياء (5.0%)، واحتقان الأنف (4.8%)، والإسهال (3.7%)، ونفث الدم (0.9%)، واحتقان الملتحمة (0.8%).

أي أنها أعراض تشبه لحد كبير تلك التي تظهر عند الإصابة بالزكام غير أنها أكثر حدة.

تواصل منظمة الصحة العالمية العمل، لتدرس كل هذه البحوث الجارية عبر العالم وتنشر أحدث النتائج والمعلومات عن هذا الوباء، لتخبر العالم عن كيفية انتشاره. حيث أكدت أنه يمكن أن يصاب الأشخاص بعدوى مرض كوفيد-19 عن طريق ٱخرين مصابين به. ويمكن للمرض أن ينتقل من شخص إلى ٱخر عن طريق القُطيرات الصغيرة التي تتناثر من الأنف أو الفم عندما يسعل الشخص المصاب بمرض كوفيد-19 أو يعطس. وتتساقط هذه القُطيرات على الأشياء والأسطح المحيطة بالشخص. ويمكن حينها أن يصاب الأشخاص الآخرون بمرض كوفيد-19 عند ملامستهم لهذه الأشياء أو الأسطح ثم لمس أعينهم أو أنفهم أو فمهم. كما يمكن أن يصاب الأشخاص بمرض كوفيد-19 إذا تنفسوا القُطيرات التي تخرج من الشخص المصاب بالمرض مع سعاله أو زفيره. ولذا فمن المطلوب الابتعاد عن الشخص المريض بمسافة تزيد على متر واحد (3 أقدام).

انتشرت هذه الأخبار عبر العالم كانتشار النار في الهشيم، منعت المصافحة وكذا العناق وكل أشكال الود، والتجمعات في جميع الأماكن العمومية كالحدائق، المقاهي والنوادي الليلية وغيرها…فأصبح الخروج من المنزل لا للاستجمام أو للالتقاء بالأصدقاء، بل إثر ضرورة حتمية حصرت في نقاط محدودة.

أغلقت المدارس، والمقاهي، والنوادي وكل أماكن التجمعات، حتى بعض الوظائف عطلت…وأصبحت المدن تشبه مدن الأشباح، الصمت يعمها وصفارات الإسعاف والشرطة وحدها ما يكسر هذا الصمت بين الفينة والأخرى…

لكن الخطر كان يذب في مجتمعات العالم بتباين واضح، فعندما كانت الصين تصارع الانتشار السريع للوباء وتحاول إيجاد أسرة لمرضاها المتزايدين في كل دقيقة، كانت البلدان الأخرى تتابع أخبارها دون خوف كبير، خاصة البلدان النامية. وهنا نخص بالذكر المغرب الذي كان مواطنوه يظنون أن قوة الأجهزة الصحية للبلدان المتقدمة قادرة على إيجاد لقاح للمرض قبل أن يتحول لآفة صحية عالمية تهدد بحياة كل فرد.

مقالات مرتبطة

لكن ظنون المغاربة قد خابت، فبعد فترة ليست بالطويلة عمدت الدولة لتطبيق نفس الإجراءات الاحترازية لوقاية المواطنين والسيطرة على تفشي المرض. فمع كل تدبير تأخذه الدولة تزداد درجة الرعب لدى المغاربة وأخذهم بمسألة خطورة الفيروس وإمكانية إصابتهم به بسرعة دون أن يشعروا بمحمل الجد.

لكن الوعي بهذه المخاطر يقل عند فئات من المجتمع، فتابعنا كيف واجه رجال الأمن صعوبة كبيرة في إقناعهم بالمكوث في بيوتهم لأجل الحد من انتشار المرض وحماية ذويهم وأنفسهم بالطبع. لكن ٱراء المجتمع قد تضاربت فيما يخص هذه المسألة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يقول البعض أن الفئات الضعيفة بهم حاجة ماسة لخروجهم لجني قوتهم اليومي، ولكنهم لا ينكرون ما يعتقده الٱخرون أن المصلحة العامة تحتم على الكل الانصياع لقوانين الحجر.

ولله الحمد كشفت وزارة الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة، عن عملية الدعم المؤقت للأسر العاملة في القطاع غير المهيكل، المتضررة بحالة الطوارئ التي تم الإعلان عنها بالمملكة لمحاربة تفشي وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19).

وكانت في إطار ما سمي بعملية راميد Ramed، حيث جزأت المساعدات لثلاثة أقسام، الأول يضم الأسر التي لها طفلان أو أقل، والتي تحصل على 800 درهم، تليها تلك التي لها ثلاثة إلى أربعة أطفال، حيث خصت بمبلغ 1000 درهم، فتلك التي يتجاوز عدد أطفالها أربعة أشخاص، قد خصص لها مبلغ وصل إلى 1200 درهم في الشهر. ومن المعلوم أن الحكومة وضعت شروطا محددة وجب توفرها في هذه الطبقة المستفيدة، مثل الانخراط القبلي في نظام التغطية الصحية راميد وغيرها.

سعت الحكومة جهدها لاحتواء المرض والقضاء على كل البؤر المقلقة في أنحاء المملكة، والكل ينتظر الفرج وعودة الحياة لطبيعتها.

حل علينا الشهر الفضيل ونحن نعيش هذه الأوضاع الحرجة، لن تجتمع العائلة كلها حول مائدة الإفطار، ولن تؤدى الصلاة في المساجد كما عهدنا، لن نذهب لنصلي وراء الأئمة الذين نخشع لتلاوتهم، فنحس أكثر بليالي الشهر الفضيل وجوها الروحاني.

جعلت كل البيوت مساجد، ويصلي المغاربة كل ليلة راجين العون من ربهم وأن يكشف عنهم الضر ويحفظ وطنهم من كل بأس.

في ظل هذه الأجواء مازال رجال الأمن والأطباء ومجموعة من الأطر، يمضون اليوم كله في العمل، لا يزورون عائلاتهم ولا يقضون معهم الوقت كما عهدوا، كرسوا أنفسهم ليكونوا في الخط الأمامي لمحاربة الوباء. فمنهم من ترك أطفالا صغارا، أو أبوين كبارا في السن، زوجة، إخوانا… يحتاجونهم بجانبهم، لكن الواجب الوطني كان أسبق وأحق بالاستجابة.

لا يهم كم سيظل المواطنون ببيوتهم، لا يقارن الشعور بالملل، والذي أصبح الكل يشتكي منه، بأهمية السيطرة على رقعة تفشي الفيروس وحماية من لم يصابوا بعد به. ما يهم الٱن هو أن نخرج من هذه الأزمة الضاغطة بأقل الأضرار الممكنة.

في هذه الفترة سيكتشف كل منا ذاته. أي أنها فرصة لن تعوض، لمراجعة ذواتنا واستعادة ماضينا وتقليبه لنصحح ما يمكننا تصحيحه…قد أعطينا من الوقت الٱن ما يكفي لنكتشف أمورا جديدة بمختلف الميادين، ونتفقه فيها. ونحاول تدارك ثغرات كان مضي الأيام بسرعة وانشغالنا بها يجرنا بعيدا عنها فينسينها، وبالتالي تصبح عيوبا بادية نعجز عن تصحيحها.

والأهم أن البعد عن التجمعات التي يعيش الإنسان في صخبها خلال الأيام العادية، قد أبعد عنها اليوم. فربما حان الوقت الٱن لكل من كان يضيع واجباته في الحياة، باللهو المفرط وجنون المرح، أن يفكر في جدوى كل ذلك، وإمكانية تطوير ذاته وحده، في غنى تام عن الٱخرين. أي أن العزلة تعلمك ما ومن تحتاجه حقا ويفيدك أيضا. ومن معرفته تزيدك تشتتا عن أهدافك وتضييعا للوقت.

الحجر الصحي كان فرصة فريدة لالتئام العائلات من جديد، فمن الشباب من يرفض فكرة المكوث في البيت لأكثر من نصف يوم، أو بالأحرى أقل. فترى أمه لا تراه إلا وقت النوم والاستيقاظ، أو ربما يتأخر ليلا رفقة أقرانه، فيدخل البيت خلسة فلا يلاقيه أبواه حتى بالليل. الٱن، ألغيت كل أعذاره ليغادر البيت، فبدأ الكل، خاصة الأشخاص الذين لا يألفون القعود بمنازلهم، يتقبل الفكرة إكراها.

لا يجب على العبد أن يقنط من رحمة ربه، أو يظن أنه غافل عنه…فليتأكد أن كل ما هو من عند الله جميل. ويغتنم الفرصة ويطور من ذاته ويراجع نفسه ويطلب لطف ربه. لا بد للإنسان المرور ببعض التحديات والمصاعب والابتلاءات في حياته، إذ قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد: 4]

إذا ساءت الظروف واشتدت الكروب وكانت الدنيا على غير هواك فاعلم أن في كل هذا لطف خفي قصرت عن إدراكه، سلم أمورك لله واطمئن ولا تخشَ شيئاً، واعتبر من هذه الأبيات التي تنسب لأمير المؤمنين عليه السلام:

وكم لله من لطفٍ خفيٍّ *** يَدِقّ خَفَاهُ عَنْ فَهْمِ الذَّكِيِّ
وَكَمْ يُسْرٍ أَتَى مِنْ بَعْدِ عُسْرٍ *** فَفَرَّجَ كُرْبَة القَلْبِ الشَّجِيِّ
وكم أمرٍ تساءُ به صباحاً *** وَتَأْتِيْكَ المَسَرَّة بالعَشِيِّ
إذا ضاقت بك الأحوال يوماً *** فَثِقْ بالواحِدِ الفَرْدِ العَلِيِّ
تَوَسَّلْ بالنَّبِيِّ فَكُلّ خَطْبٍ *** يَهُونُ إِذا تُوُسِّلَ بالنَّبِيِّ
وَلاَ تَجْزَعْ إذا ما نابَ خَطْبٌ *** فكم للهِ من لُطفٍ خفي.

ولعلها فرصة لن تعوض، لمراجعة ذواتنا واستعادة ماضينا وتقليبه لنصحح ما يمكننا تصحيحه…عساها عطلة عائلية ألغت كل أعذارك لتقضي كل وقتك مع عائلتك، لتعين أبويك وتحيي الوئام من جديد وتؤنسهما قبل الرحيل…وتحاول الاكتفاء بذاتك وتعرف أن سعادتك منك وإليك وتجد نفسك في غنى من ذي قبل واكتمال، أو كما تراها هي ضائقة قدرها الله ليختبر صبر عباده ويعطي العبرة للعالمين. أيقن أن كل ماهو من عند الله جميل، فقط اغتنم الفرصة.