كورونا…جائحة اللاوعي

كل سنة يحدث فيها زلزال يغير روتين حياة الناس اليومي ويغير سلوكات شعوب بأكملها، وتحصد خلالها الأرواح بالآلاف تعتبر سنة للذكرى، وهذه السنة لم تنته بعد لكنها بدأت بالفعل، وهي سنة 2020، والتي ستضاف لقائمة سنوات التاريخ التي ستبقى خالدة في الذاكرة.

نحن نعيش تحت قيادة فيروس مازال يخفي نفسه، والذي يقودنا للعزل وأحياناً للموت وأحياناً كثيرة يعطينا فرصاً أخرى للحياة، وهذا الفيروس ليس بحاكم ولا رئيس ولا سيد ولكنه أخضع شعوباً برؤسائها لقوانينه، والتي تبدو سهلة ومتداولة، لكنها تبدو معقدة عندما تعيد ترتيب حياة الناس التي كانت تسودها الفوضى.

فيروس كورونا المستجد أو ما يسمى كوفيد-19 أو كما أطلقت عليه منظمة الصحة العالمية “الجائحة”، هو فيروس ظهر في ووهان الصينية ليزحف إلى باقي دول العالم، وهذا الفيروس يعد من عائلة فيروسات كورونا المسببة للزكام والالتهابات الرئوية وأمراض أخرى كمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية المسماة ميرس (MERS-COV) وكذلك متلازمة الالتهاب الرئوي الحاد أو ما يعرف بسارس (SARS-COV)، وكل هذه الفيروسات وغيرها كالأنفلونزا تقتل الآلاف إلى الملايين كل سنة حول العالم وهذا أمر طبيعي، مادام الفيروس يطور جيناته، فاللقاح المضاد له يتم تصنيعه حسب طبيعة وخصائص الفيروس المستجد.

يعتبر هذا الفيروس أقل خطراً من حيث نسبة الوفيات؛ حيث إن عدد المتعافين منه يتضاعف مقارنة بعدد الوفيات، والذين يموتون بسببه هم الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة وكذلك من يواجهون نقصاا في المناعة، أما عندما نتحدث عن نسبة تفشي الفيروس فهي مرتفعة جداً، وهذا أمر بديهي لأن الفيروس ينتقل من شخص لآخر عبر السعال أو العطس، أو عبر لمس الأسطح والأشياء الحاملة للفيروس ثم ملامسة الأعين أو الفم أو الأنف، وهذا ما يعزز انتشاره السريع ويهبه قوة كبيرة جداً، في حين أن احتوائه لا يعد بالأمر الصعب إلا إذا اعتبرناه كذلك ووضعنا السلاح.

إن سيطرة الصين في الوقت الراهن على الفيروس لم يكن شيئاً مخططاً له منذ آلاف السنين، لأن لا أحد يدري ما خطط تطوير الفيروس من نفسه وفي أي وقت يمكنه الظهور كوباء، لكن الوعي العام للبلد أنقذ نسلها وفي جانبه كان الإصرار على محاربة الفيروس والالتزام بالمسؤولية تجاه النفس وتجاه الآخر، الشيء الذي غاب ويغيب عن بعض الدول المستهلكة التي لا زالت ترى أن الوباء مصنع أو أنه غضب من الله، وهنا لا نتحدث عن شيء اسمه الوعي بل نتحدث عن قلة الوعي هذا إذا ما تحدثنا عن انعدامه.

عندما نتحدث عن الجائحة فهناك من يظن أنها شيء يقال لفظاً كدعاء والدته عليه كما نقول بالدارجة المغربية: “الله يعطيكم الجايحة” وليس لها أي تأثير سلبي، كما يظن الناس أن هزل اللفظ يضعف فعله، ويعتقد البعض أن مرورها ليس بجدية دعاء والدته، وهذه المعتقدات الخاطئة وغيرها هي ما أفسدت الحياة، فنحن لا زلنا نعتقد أن العلم ليس سوى خرافات، ولا زالت الناس لا تصدق الطبيب كما تصدق بائع الأعشاب الطبيعية ولا تحترم المعلم كما تحترم المغني.

إذا طبعت على جباهنا كدول عربية أننا الأشد تخلفاً، فاليوم يشهد العالم بأسره أن الدول الغربية أصبحت تنافسنا اللقب، فإيطاليا وإسبانيا وفرنسا وغيرهم من الدول التي استهانت بالجائحة أصبحوا لا يحصون موتاهم بالعشرات، وهذا ناتج أيضا عن قلة الوعي، وأحياناً امتلاك العلم والتكنولوجيا المتقدمة والتجهيزات اللازمة في جميع القطاعات لا يعني أبداً امتلاك الوعي المجتمعي والأهم من هذا امتلاك القدرة على تحمل المسؤولية الوطنية، هذه الحقيقة كانت غائبة وراء مظاهر التقدم والازدهار، فيرى المرء أن المجتمع الالكتروني هو مجتمع مثقف وواع ومتحضر في حين أن الأمر قد يختلف تماماً.

مقالات مرتبطة

إن احتواء تفشي فيروس ما بين البشر ليس هو احتواء كارثة طبيعية؛ لأن الأمر يتطلب صبرا واجتهادا من جميع أفراد المجتمع، ويلزم الجميع دون استثناء في الانخراط في تحمل المسؤولية، ولا أحد يمكنه السيطرة على زلزال مدمر ولكن يمكننا تحديد مصير فيروس ما قبل أن يدمر حياة مجتمع ببقعة جغرافية معينة وربما خريطة بأبعادها، وهذا احتمال وارد عندما ينظر المرء إلى الفيروس كأنه ملك الموت، فيظل يؤكد خطابات الموت الشهيرة ويردد جملاً أكل الدهر عليها وشرب، ويصبح داعية يعظ الناس وهو لا يريد في قرارة نفسه أن يموت الآن أو بعد سنوات.

كما أن دعوة الناس إلى الالتزام بالقوانين والقرارات الصادرة المتعلقة بفيروس كورونا المستجد بشكل يضمن سلامة المواطنين، لا يُؤَمن بشكل قطعي القضاء عليه وإنما فقط محاولة احتوائه والسيطرة على عدم تفشيه بشكل سريع؛ لأن القضاء عليه يستلزم وجود لقاح مضاد له، وعدم الوصول إلى لقاح تجريبي فعال يجعل الأمر يبدو مرعباً بالنسبة للكائن البشري، والفطرة البشرية تطغى في هذه الحالة ليظهر الناس بعريهم الغريزي، فتنظر إليهم يتسارعون نحو ادخار الأكل والشرب، ثم يتحول العالم إلى قانون الغاب مرة أخرى، فلا يدري المرء ما هو بصدد مواجهته أهي الجائحة أم المجاعة الكبرى؟

إن إجبار الفرد على فعل الشيء هو الحل الأمثل الذي يقنن السلوك في مثل هذه الظروف، لأنه من الصعب أن تغير نمط حياة شعب يرضع التخلف منذ آلاف السنين بين سدفة وضحى، وتلزمه على الامتثال لأوامر لم يعد يخشى الموت ليخشاها، وأن تدعو الناس للحياة بعد أن مات فيهم الأمل فيها، وأن تقوم بحملات توعية لأشخاص لم يصلهم العلم يوماً ولا يفقهون شيئاً من أحاديثه، وأن تكلم الناس عن الوعي ولطالما سقيتهم من بئر الجهل، وأن تظن أن المؤثرين على صفحات التواصل الاجتماعي سيقومون بدورك كموجه ومسير وسيكون لهم صدى، ولكن هناك من الناس من لازال يعيش بدون كهرباء وبدون شبكة الاتصال، ولا يمكن أن تقوم بتلقين الناس وشحنهم عن بعد وأغلب الشعب لا يرغب حتى في الحضور إلى المدارس، ولا يمكن أن تربي شعباً بأكمله في غضون دقيقتين بينما أنت تغرق في وحل الأزمة.

لا يجب أن ننظر إلى الحياة الافتراضية وكأنها حياة مثالية فالواقع مريع جداً، ففي القرى والبوادي يتخذ الإيمان منحى تصاعديا نحو اللامنطق؛ حيث تغدو الآيات القرآنية استشهادات ليست في محلها على الرضى بالقضاء والقدر وأنه لا مفر من الموت، فالوقاية تعد بدعة وكفراً بقضاء الله والالتزام بالمسؤولية الاجتماعية يعد قلة أدب، أما عن اتباع تعاليم الأطباء وذوي الاختصاص يأتي في مقابله اتباع أهل الإشاعات والأخبار الكاذبة، ففيروس كورونا المستجد يعتبر أقل خطورة أمام سرعة تفشي الإشاعة، فمن لم يقتله الفيروس قتلته الإشاعة، لأن ما تزرعه الإشاعات من خوف في نفس الإنسان قادر على إبادة بلد عربي في ثانية. ففي خضم هذه الفوضى المحدثة من طرف هذا الكائن المجهري، خرجت إلى الحياة كائنات أخرى ليست من أهل الاختصاص تتقمص دورهم، فأغلب القوم يتحدثون وكأنهم يطورون اللقاحات والأمصال ليل نهار، ويمررون للناس أفكاراً خاطئة وهذا أخطر من الفيروس وسلالته بأشكالها.

“لو” تأخذ وقتا كبيرا قد يتغير فيه مصير الأمم، والتحسر على الماضي يؤخر تصحيح الأخطاء السابقة، إذ كل ما يفعله البعض هو التذلل في حضرة اللحظات الحرجة، ويظهر لك الأمر برمته كأن البعض يغرق والآخرون ينظرون إلى سبب الغرق. كما أن الاستهانة بفيروس كورونا المستجد أخذ وقتاً كبيراً حتى أدرك البشر أنه فيروس لا يحتمل الاستهتار والفكاهة، وهذا ما جعله يستغل غفلتهم ليتحول إلى جائحة.

لكن الغريب في كل هذا، أن الكورونا يربي، نعم إنه يعيد التربية تحت قالب فيروسي، هذه ليست حقيقة لكنها تبدو كذلك، وليست شيئاً جدياً لكنها تبدو كذلك، وليست شيئاً تافهاً لكنها تبدو أيضاً كذلك؛ فعندما بدأت تهدأ الأمور قليلاً عدنا نرى الناس يلتفتون إلى حياتهم الخاصة وينشغلون بذواتهم، وكأنما كل شيء يأخذ مكانه الطبيعي، فالنظافة أصبحت فرضاً حينما تركها الكثيرون والنوم أصبح علاجاً حينما أرقتهم التكنولوجيا، وعادت العائلات تجتمع في البيت على مائدة الطعام حينما كانت المقاهي والمطاعم تلغيها، وأصبح رب الأسرة يجمع أهله للصلاة بينما لم يكن يدري من في البيت يصلي، بدأت الناس شيئاً فشيئاً تتحد وتتضامن؛ فتجد صاحب الكراء يعفي المكتري من أداء ثمن الكراء والجيران يعيلون بعضهم البعض حينما كان الجار لا يدري حتى بموت جاره، أصبحت الناس تتصل بأقاربها للاطمئنان عن حالها حينما بدأت الأرحام تقطع، صارت الناس تقرأ عن العلم وتهتم بالطبيب والمعلم حين أنستها التفاهة الحروف الأبجدية.

فإذا لم نستوعب قيمة العلم اليوم فلن نتمكن من ذلك ما حيينا، وإذا لم نعلم قيمة بعض الأشخاص في حياتنا اليوم ونتشبث بروح المسؤولية تجاه أنفسها وغيرنا فسيسحقنا التاريخ.