كورونا…هوس الإصابة

تخيّل أنك تعيش في بلاد ما وفجأة ينتشر وباء الكورونا، لا أنت تستطيع أن تغادر البلد لأن أبوابه وطرقاته أقفلت، ولا أنت تستطيع تفادي هذا الوباء، ماذا تفعل؟ كيف ستعيش؟ ما هي مشاعرك تجاه زوجتك التي ضحت معك طوال السنين العجاف؟ ووالداك اللذان بلغا من الكبر عتيا فقلٌت مناعتهما تجاه أبسط الأمراض؟ وأبناؤك خارج الوطن؟ أغلقت الحدود ففصل الكورونا بينكما، هل ستجلس في المنزل؟ هل ستذهب للمسجد والعمل أم ستواجه المرض مع أولئك الذين قرروا مواجهته ومساعدة أولئك الذين وقعوا في براثنه.

لا تتخيل، هذا ما حصل بعدما اتٌُخد الأمر في بداية الأمر عند البعض استهتارا، وعند البعض الآخر إنكارا، ارتفع خط الأحداث بسرعة فصار الأمر شر لا بد منه، ارتفع عدد الضحايا والإصابات، توالت الأحداث مولدة معها الكثير من الهلع والفزع والذعر، انقلبت الحياة على حين غرة رأسا على عقب، خوفا من ماذا؟ الكورونا وإلى ماذا يؤدي في أقصى حالاته؟ إلى الموت وما أدراك ما الموت. هاته الحقيقة المطلقة التي لا مناص منها، الوجوه حولي توحي بالرهبة والفزع، كأنها تنتظر حتفها في أي لحظة، كمعتقل يعي جيدا أنه سيعدم لكنه يجهل الطريقة والوقت الذي سيجري فيه التنفيذ.

ما حثّني على الكتابة في الموضوع، أنني كنت قد عدت من زيارتي لفرنسا بأسبوع قبل هذا الانبجاس، فإذا بي أصادف موجة من الرعب المختلط بنوع من السخرية حتى إذا ما حدث وعطست بسبب حساسية عث الغبار ابتعد الجميع وأطلقوا زمام النكت التافهة، بتداعيات المزح، مع أنني كنت أرى الخوف في أعينهم حين يبتعدون بشكل يعكس ما في صدورهم، لم أتخد الأمر على محمل الجد إلا أن ذلك كان يثير نوعا من التساؤل في داخلي عن ماهية هذا التضخيم والهول المفزع!

هذا الخوف المفرط أورث في فئة رغبة جامحة في الاعتزال والالتزام بأقسى أنواع الوقاية متجنبا كل اتصال بشري أو تجمع عام، وأودى بالبعض بدون وعي أو منطق إلى الجري لهثا نحو جل المراكز التجارية محاولة منه ضمن القوت والزاد ، بينما اكتفى البعض بنقل الأخبار الزائفة المغلوطة من تسجيلات كاذبة وتوضيحات تافهة لا يكاد العقل البشري تصديقها، بغية جمع كم هائل من الإعجابات والتعاليق ورفع عدد المتابعين في عالم افتراضي مثير، وصدق من قال: مصائب قوم عند قوم فوائد.
وهكذا الحياة تضم نبالة المتطوعين الناصحيين المؤثريين الإيجاببين المساهمين في التوعية وجلب النفع إلى جانب حثالة الكاذبيين المفزعيين أصحاب الفتن والضلال.

المشكلة هنا على ما يبدو لي ليست في المرض، فعدد الحالات اللتي تماثلت للشفاء جراء هاته الجائحة عديدة، واحتمالات الوفاة قليلة مقارنة مع باقي الآفات والأوبئة والأمراض، والوباء في حد ذاته ليس السابق في عهده، ما وقع هنا أن الكورونا حل في الألفية الثالثة في زمن انفجار التكنولوجيا؛ بحيث تفاقمت سرعة انتشار الأخبار المغلوطة أكثر عشرات المرات من انتشار الفيروس.

ويكمن الخطر حقيقة، في أن الكورونا هذا ليس مرضاً، كون المرض يصيب الأفراد، لكنه وباء، وهذا يطال الجماعات، ولا يفرِّق بين فئة وأخرى، لا فئة معصومة منه، منه الخوف الذي غيَّر من سلوكيات أناس كانوا، حتى تلك اللحظة، لاهين ومنغمسين في شؤون حياتهم الخاصة، وأصبح ولا بد لهم من تغيير ما درجوا عليه في الماضي من أساليب الحياة وتوخي الحيطة والحذر والمكوث في بيوتهم وتطبيق وسائل الوقاية والنظافة بشكل صارم حتى إشعار آخر، الشيء الذي لم يعتد عليه أحد البتة ولم يلتزم به إلا القلة القليلة للأسف.

ما أريد أن أشير إليه أن كورونا الوباء ليس في الخارج يا سادة إنه في الداخل، ماذا لو رضخنا للأمر الواقع وسلمنا بالقدر واستوعبنا أن الموضوع لا يستدعي كل هاته المخاوف التي استبدت بالناس، والتزمنا بشروط الوقاية واحتفظنا لنا بحفنة من الأمل والإيمان؟ ماذا لو عدنا إلى صوابنا وأدركنا بعقل واع أن الخوف ما هو إلا وسيلة لتفاقم الداء وما هو إلا مانع من الحياة بدل الموت.

يقول نحيب محفوظ: “الموت الذي يقتل الحياة بالخوف حتى قبل أن يجيء، لو رُدَّ إلى الحياة لصاح بكل رجل: لا تخف! الخوف لا يمنع من الموت ولكنه يمنع من الحياة. ولستم يا أهل حارتنا أحياء ولن تتاح لكما الحياة ما دمتم تخافون الموت.”

ففي الأخير، هذا الوقت سيمضي، وكل هذا الوضع سينجلي في صبح مشرق ويوم بهيج وستعود الأمور إلى أخذ زمامها، إنها سنة الله في الأرض تقتضي أن تنجلي المصائب والأزمات عاجلا أو آجلا، ويبقى المكسب الوحيد من هذا البلاء أن البشر يظلون بحاجة إلى تذوق الألم قدر حاجتهم إلى بصيرة الاستنارة، وأن المواقف والالتزامات ما هي إلا امتحان للنفس البشرية أولا ليقينها وثباتها، وثانيا هو اختبار لمدى صلابة وتماسك المجتمعات في اتخاد التدابيير الأساسية في كل المجالات، والتي تخص الجماعة أيضا، فقد تصاب حياتنا بآفة الكورونا من جديد.