كورونا يعلمنا أبجديات المصالحة مع الحياة

134

هناك دائما خلف العتمة، بوادر نور تزحف على مهل، ليبتلع على مضض سواد لحظات عابرة. قد يبدو الأمر مؤلما على غرار كل الولادات، لكن كل واحد منا رددها على طريقته، وبالقدر الذي يعنيه: “كورونا لم يكن شرا مطلقا”، كما اعتقدنا تحت رهبة الموت الجاثم خلف أرقام ندعو الله أن تصاب بعقم وتتوقف عن تناسلها اللامرغوب.

الآن وفي لحظة توازن تعقب ارتباك التلقي الأول، لا مفر من قولها، شكرا لصفعة كورونا التي دفعت عددا منا لتوجيه بصره نحو الجزء الممتلئ من الكأس، فنحن حتى في أسوأ المحن، قد نجد خيرا كافيا يمكننا من احتمال المحنة، كما قال جوزيه ساراماغو…وفي محنتنا كانت لائحة الخير أطول من أن نحصيها عددا، ونحن نستوعب بنهم من أدرك متأخرا أهمية ما فاته من دروس، أن كل ما اعتقدناه بديهيا لأنه كان متاحا ومحاطا بتأفف من استيقن تملك الأشياء إلى ما لا نهاية، يمكنه أن يتبخر في لحظة، حتى الأوليات يمكنها أن تنسف في لمح البصر من الأفراد إلى الدول التي أصبحت تتسارع لاقتناء الكمامات والمعقمات بعد سباقها نحو التسلح.

نعم، يمكن للأشياء أن تنسف نسفا، لينقشع من بين غبار يومياتنا روعة ما اعتقدناه عاديا، أو بلا قيمة في لحظات جحود، كأن تفتح بابك وتنطلق دون حذر أو خوف أو توجس، أن تعانق الأحبة، أن توزع مواعيدك بسخاء، وأن تؤجل أخرى إلى أجل قد لا تدرك متأخرا أنه لم يعد متاحا، أن تتجول حيث تشاء، أن تأخذ نفسا عميقا في هذا الكون الفسيح وتنفثه دون اعتبار لمسافات أمان أصبحنا نقيس بها سلامتنا وسلامة الأحبة، أن تندس بين جموع الباحثين عن اهتمام مشترك أمام لوحة في معرض، أو كلمة في محاضرة، أو نغم في حفل، أو توقيع في محفل، كلها تبدو اليوم هبة سماوية تستحق الكثير من الامتنان، لنكرر على مسامعنا: كورونا لم يكن شرا مطلقا كما اعتقدنا، هو فقط يعلمنا أبجديات المصالحة مع الحياة.

في زحمة الأشياء ما قبل كورونا، القليل منا تذوق طعم العزلة الاختيارية، ولعلها اليوم فرصة جماعية لفتح الباب على أفضل فرص التفكير حسب تقسيم توماس أديسون، الذي اعتبر التفكير في الزحام أسوأ الطرق الممكنة، في العزلة لا صوت يعلو صوت أفكارك وأنت حبيس جدران ربما تنتبه لأول مرة إلى بعض تفاصيلها، وتفاصيل أرواح شاركتك المكان، إنها فرصة وقوع جديد في حب من اعتقدت أنهم تحت التصرف، وهي نفسها فرصة للفظ من فضحت العزلة عورة معدنه للذين أرغمهم الجلوس على رؤية بشاعة صورهم في عيون من أدمنوا الهرب منهم باسم العمل، والنزهة، وأحاديث المقاهي الطويلة التي نطوي بها مسافات حياة قصيرة.

هنيئا لمن يستل بمهارة الصابرين خيوط اليسر من مخالب العسر، لمن استوعب أن إغلاق الطرق والمطارات والوجهات، بدد كل خيارات الهروب بعيدا، ليفتح صراطا واحدا في رحلة نحو الداخل، نتيقن معها أنه “ما نفع القلب مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة” كما قال أحمد بن عطاء الله السكندري، وفي شغاف القلب لكل رحلته المعقدة، لكل حقائب ذكرياته ومخططاته وكثير من أحلام معفاة من سقف الأوزان، لتشرع ميادين الفكرة أبوابها بدون تأشيرات، لا تخلف أبدا موعد رحلتك، وتذكر أن كورونا لم يكن شرا مطلقا كما اعتقدنا، هو فقط كان فظا حين شرع أمامك باب هدم أفكار وبناء أخرى.

مقالات مرتبطة

فلمَ التردد؟ افعلها واهدم بحماسة البدايات حاجز التوجس نحو فصل جديد، صحيح أن لا يمكن أن نعود إلى الوراء لنصنع بداية جديدة، إلا أنه يمكن أن نبدأ من الآن في صناعة نهاية جديدة، كما يقول ماركوس أوريليوس، بقناعة من أمسك بين يديه لجام الحكم والفلسفة، وهو يخط تأملاته عن انصهار الحكمة والعدالة والصلابة، كقائد واجه الطاعون والحروب، بعزيمة من انصهر بالميدان والأفكار، رافعا دعوته المأثورة بتقبل الأشياء التي يربطنا بها القدر، وحب الأشخاص الذين يجمعنا بهم القدر “لكن افعل ذلك من كل قلبك” يقول الإمبراطور الذي يذكرنا أن كورونا لم يكن شرا مطلقا كما اعتقدنا، فهو دعوة لتقبل الأشياء وحب الأشخاص الذين جمعنا بهم خوف عابر للقارات.

هي دعوة مصالحة لم تسبقها اجتماعات، ولا توافقات، ولا ندوات، ولا انتخابات. دعوة مصالحة بعيدة عن وصاية زعامات بلا أتباع، وتوصيات لا تبارح بياض صفحات يعلوها صفار النسيان. إنها مصالحة: كن فيكون، التي غيرت نظرتنا للسلطة، للجيش، لعمال النظافة، للجار، للقريب، للبعيد، للاهتمامات، لكتب غطاها التراب، للمشاريع المؤجلة، للأولويات، للفئات المهمشة التي أدركت قبل الجميع أن كورونا لم يكن شرا مطلقا كما اعتقدنا، وهي تضمن في سابقة بعيدة عن التنظيرات، سقفا يأويها من العراء، واهتماما طال مكوثه في لائحة انتظار حمقاء، لم تجد يوما من يبطل تعويذة التسويف التي تعتريها.

إنها فرصتنا في الإنصات وإعادة توزيع الأدوار، بعد أن أغلق كل بلد حدوده برا وبحرا وجوا، في انكماش تطبعه الأنانية الظاهرة، لكن في عمقه دعوة إلى رحلة اكتشاف حقيقية، سبق أن وصفها الروائي مارسيل بروست، بأنها لا تكون بالبحث عن أراض جديدة، بل بالحصول على بصائر جديدة، وهاهي جائحة كورونا ترفع الغشاوة عن الأعين بجرعة واحدة مكثفة، اختزلت كل دعوات أنصار الطبيعة المحذرين من كارثة قادمة، ودعوات النهوض بالبحث العلمي، والرفع من مستوى الوعي، ودعوات الانتباه للفئات الهشة، التي بحت الأصوات الداعية لجرها نحو خانة الطبقة الوسطى، كصمام أمان في أيام الشدة.

ولأن أيام الشدة تحمل في أثرها دوما أيام انفراج، بيقين من يؤمن أن بعد العسر يسرا، تحضرني عبارة الزعيم مالكوم إكس، الذي اعتبر أن أفضل الأوقات هي زمن الشدائد، ذلك أن كل هزيمة، كل حسرة، كل خسارة، تحمل في طياتها بذور دروس تعلمك أفضل الطرق لتحسين أدائك في المرة القادمة، وها نحن نطل على الفرصة القادمة في أيام عزلتنا، من شرفات غد لن يكون سهلا، لكنه ليس مستحيلا بسواعد أصحاب وزرات بيضاء، تقطع الطريق عن جائحة سوداء، وجنود فتحوا أرض معركة ثانية، النصر فيها لمن يقتنص روحا على مشارف الموت ليقطع بها عبورا نحو حياة ثانية، وهمة شباب مخترع يطمئننا بعد إقفال الحدود، أن الحلول ستحمل ختم “صنع في المغرب”.

صحيح أن بعض اليأس والكثير من العثرات ستلغم الطريق نحو الغد، لكن لأننا نوقن يوما بعد يوم أن كورونا لم يكن شرا مطلقا، وهو يعكس بكل سواده نقاط الضوء المتفرقة لهمم متطوعة، وأخرى متصدقة، ومتكافلة، ومتأقلمة في رحلة بحث عن الخروج من الضائقة بدل الإذعان لها. وكما يجتمع شتات المتفرقين تحت سقف واحد تحت إكراه الضرورة، قد تكون هذه فرصة لاجتماع الإرادات المتفرقة تحت مسميات الانتماء والمرجعيات، لأن الوجهة نحو الخلاص لها قبلة واحدة…إنها هناك تحت وزرة طبيب يقف على خط النار، وحرف أستاذ يبقي حبل ود شبه مقطوع مع جيل باهتمامات جديدة، ومعول فلاح يؤمن حاجاتنا، ودرهم رجل أعمال يدرك أن جنة أمواله حيث تغيب عملة الجشع، وقلم بيد متحررة من حبر المحاباة، ومكنسة عامل نظافة أعلن حرب تعقيم في شوارع فارغة، نتلهف لنزول جديد لها بقناعة من أدرك أن كورونا لم يكن شرا مطلقا كما اعتقدنا.