كوفيد 19: واذكر ربك إذا نسيت!

وأنا أقرأ سورة الكهف، يومه الجمعة الأغرّ، كما هو مُستحب لفضل السورة وقراءتها في هذا اليوم كما روى الحاكم في مستدركه مرفوعا وصححه الألباني: ((إن من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين))، فإذا بآية تستوقفُني على غرار غيرها من الآي وفي كل مرة، إلا أن هذه الآية {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} ألْبَسَتني ثوب المُساءلةِ، أوقفتني موقف السائلِ!

مقالات مرتبطة

قلتُ أولا: كيف يَذكُرُ المرء ربه وهو في حالة نسيان؟ ثم قرأت الآية مرات أخرى متدبرا متمعنا، فوجدت أنه سبحانه قال: {إذا نسيتَ} وهو فعل في زمن الماضي، حَمَلنِي هذا على فهم أنه الذكر الذي يحصل بعد النسيان حتى وإن كان لحظيا! فكم من مؤمن يغفل وينسى ثم سرعان ما توقظه الألطاف الإلهية قبل أن يستغرق في الإعراض ويستفحل السوء، وذلك قول ربنا في نبي الله يوسف: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ} [يوسف 24]

شمِلتني نفحة الإمعان هذه فأيْقَظَتْ فِيَّ مَراقِدَ البُعدِ وأجْلَت ظلام سوءاتي بنور القُربِ وأحدثت في قلبي ألما وأملا.

ألما حين تألَّمتُ وأنا أقرأها، فكم نسيتُ ونسيتُ، تأخذني الدنيا، تصرفني، تُبعدني عن ذكر ربي يُغريني هوى نفسي، يُظلِّلُني، يُلْجِمُني الشيطان يُحرِّكني، ينزَغُني، وأنا في إعراضٍ وبعدٍ وسهوِ. وألما حين تلوتُ {إذا نسيتَ} فإذا به يتجلَّى لي أن الناسي لا ينساه رب الناسِ، أَنسى ولا عبدَه ينسى، جلَّ الذي سبقت رحمتُه عذابَه واستبقت توْبتُه عقابَه.

حين لامس فؤادي ضوءُ النورِ، حِلمُ اللهِ، عطفُ اللهِ ورحمة ربي. نعم، إذا ما كنت أَنسى أنني أَنسى فلستُ أُنسى حين أَنسى، بل وكأنه في الآية يُخبرني: ستَنسَى، وحين تَنسى اذكُرْ ما نسيتَ ولا تَنسى أنك تَنسى وتعودَ لتَنسى.

حين علمتُ أن الذكر للعاملِ والغافلِ، فواحِدٌ سبق والآخر الْتَحَق ويبقى الله الكاملُ المُطْلَق.

وأنا أستحضر هذه المعاني وخصوصا في هذه الضائقة التي نعيشها هذه الأيام، أسعدُ وأحزَن.

أسعد لما أراه وأسمعه من إنابَةِ القومْ ورجوعهم الى رب الكونْ، هؤلاء الذين دخلوا دائرة الغفلةِ والنسيانِ فأيقظهم نَغْصُ وباءِ رب الأكونِ، أما ما كان من حزني فممن يَعيبون على هؤلاء عوْدتَهم وإنابتَهم، نعم، قد تكون أنت ممن سبق، وهؤلاء الآن ممن التحق، فلا نغتَرَّ بطاعة، فكما قال ابن عطاء الله السكندري “رب معصية أورثت ذلا وانكسارا، خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا”، وما هذه الآيات حتى وإن سلمنا بصناعتها المخبرية ومرد أمرها إلى فعل فاعل، فهي رغم ذلك لا تعدو أن تكون إشارات من الله لنا؛ لأنه وبباسطة تامة لا يصيبنا من الأمور إلا ما أراده وحكم به، فهو سبحانه لا تُجاوِزه أي كبيرة ولا صغيرة مهما تمادت في الصغر، فإذا ما أنَبْنا وعُدنا عند هذه الإشارات متى يَأْنِ وقتُ ذلك؟

الله يفرح بتوبة عبده، فلنفرح لفرح الله بنا ولندع لنا وللمعرضين الناسين الغافلينَ. اللهم ياحفيظ احفظنا واكشف عنا ما نزل بنا. اللهم يمر ولا يضر.