كيف نتغير عاما بعد عام

2٬233

الإنسان كائن له قدرة على التكيف، والتكيف يقتضي التغيير المستمر في شخصية الإنسان؛ معنى ذلك أن التغيُّر مسألة حتمية لازمة لنمو الإنسان واستكمال نضج شخصيته. ففي وقفة سريعة مع الذات، نجد أننا قد تغيرنا كثيرا بالمقارنة مع كنا عليه في سنوات سابقة، وربما يصل هذا التغير إلى حدود أن نشعر بالغربة عن أنفسنا، أو بغربة ما كنا عليه عنّا بعد أن تقدم بنا العمر، وتغيرت أولوياتنا وطموحاتنا وتصوراتنا للحياة وللوجود الإنساني بعامة. هذا التغير لا يُبقي إلا على خيط دقيق جدا هو الذي يربط حالتنا النفسية بما كنا عليه في الماضي وما سنكون عليه في المستقبل. وهذا التغير قد يُـحدث قلاقلَ اجتماعية لأي واحد منا، خاصة إذا كان في محيط أسري واجتماعي يتطور ببطء، وَيصعُب عليه تفهُّم هذا التغير، والذي يحصل مع كل الناس، لكن بسرعة ودرجات متفاوتة.

من سنة الحياة، والتي يتجاهلها الكثير من الناس، أننا نختار طرقا مختلفة، ونولَد ولنا أذواق واهتمامات واستعدادت متمايزة، الشيء الذي يفرض علينا أن نسير في وجهات متنوعة، وأن نعيش حيوات وتجارب مختلفة. إن الجهل بهذه السُّنة في الحياة هو الذي يُولِّد ذلك الشعور بالإحراج عند اللقاء بأشخاص عرفناهم في وقت سابق من حياتنا، أو حين نلتقي مجددا بأصدقاء لنا قدامى، أو حين يلتقي من كانا حبيبين لا يفترقان، والحالُ أن كل شيء قد تغير، فلا يعود ذلك اللقاء فرصة لحديث ممتع عن الذكريات والأحداث، -بل وعن توافه الأمور مع شغف كبير لأن لذة الأمر كله في اللقاء-، يلتقيان ولا شيء من ذلك يتكرر، ويكون اللقاءُ غيرَ اللقاء المعهود، ذلك أن مقدارا كافيا من الزمن قد مر، وأصبحت لكل شخص اهتمامات جديدة، وأشخاص مفضلون جدد، بل وأصبحت المصالحُ غيرَ المصالح. وتلك سنةٌ في الحياة لن تجد لها تبديلا.

إنه بالتأمل ستدرك أنه يعيش في داخل كل واحد منا شخصان ببعدين متناقضين؛
أولهما بعد عاطفي لا يستقر على حال، ويتغير كل يوم مئات المرات، بناءً على المواقف التي تصادفه في واقعه، وما يتلقاه من ردود أفعال من الآخرين، وما يكون موضعه من اهتمام وتقدير من المحيطين به. من هذا البعد، يتعامل الإنسان مع الناس إما على أساس الحب أو الكره، وما يتردد على سمعه من مواقف الناس اتجاهه، فيبدأ في تصنيف الناس إلى من يحبهم من جهة، وإلى من يكرههم، أو على الأقل، إلى مَن لا يحبهم من جهة ثانية.

وهذا الجانب مهم في حياتنا؛ إذ به نتذوق الحياة، ويكون لوجودنا الاجتماعي معنى.

والبعد الثاني هو البعد العقلاني الإدراكي، الذي يبني من خلاله الشخص العلاقاتِ مع الآخرين، بناء على تجاربه الشخصية السابقة، فيحللها ويتخذ منها مواقف، سلبية كانت أو إيجابية، حسب اللذة أو الألم التي تحصُل له من خلالها، ويُخزنها في حافظة ذكرياته، ويطبع عليها بالسلب أو الإيجاب، ليستطيع التعامل معها بحكمة في مرات مقبلة. وهذا الجانب الإدراكي العقلاني هو الذي يدفعنا إلى أن نتطور ونحسّن أداءنا في هذه الحياة، وإن كان قد يحملنا على اتخاذ قرارات صعبة، قد لا نميل عاطفيا إلى اتخاذها، لما تسببه لنا من آلام.

وفي واقعنا اليومي، لا نتعامل مع مَن يُشكلون حاضرنا إلا على أساس عاطفي، وقد نبالغ في مراعاة هذا الجانب أحيانا، فنتأثر بأقوالهم من غير انتباه كافٍ إلى أفعالهم؛ وذلك أن التجربة معهم لا تزال مستمرة، ولم تنته بعدُ. وهو ما يجعلنا نترقب ونؤول ما قد يصدر عنهم بناءً على أقوالهم وعلى ما نسمعه عنهم من الآخرين. وغالبا ما نحسن الظن بهم، ونصدق ما يروُونه عن أنفسهم، وما يريدون أن يكونوا عليه، وإن لم يكونوا كذلك في واقع الأمر، فما دام أنهم جزء من حياتنا فلا بد أن نأخذ انطباعات إيجابية عنهم، حتى نستطيع أن نرتاح في تعاملنا اليومي معهم، ولا نأبه غالبا باستنتاجات العقل والمؤشرات التي تكون متجهة إلى إثبات عكس ما نريد تصديقه، وبسبب هذا التجاهل ننفصل عن الواقع، ومن ثم نتخذ قرارات سيئة، ونتورط في علاقات سامة تُشوه صفاء حياتنا اليومي، وإن بعدَ حينٍ.

ولم يزل من مشاكل الإنسان أنه أسير عواطفه في معظم حياته، لا يكاد ينفلت من قبضتها أحد، ولا حتى الحكماء من الناس، ولا يستطيع لها العقل مقاومةً، لأنها مترسخة في طبيعتنا، وبالغة الرسوخ في أدمغتنا، والحياة ستغدو بيداء قاحلة لو قمنا بإخلائها من العواطف، حتى وإن كان هذا غيرَ وارد في الأصل؛ ذلك أن كونك شخصا عاطفيا أمرٌ خارج عن سيطرتك. وحتى الذين يعتقدون أن قراراتهم في تفاصيل الحياة اليومية هي قرارات عقلانية، ليسوا أكثر من متوهمين لذلك؛ لأن الإفلات من أسر العواطف يَخرج عن حدود قدرة البشر.

إن الإنسان لا يولد عقلانيا، بل يُصبح كذلك، إذ يكتسب عقلانيته عبر تجاربه في الحياة. والمفارقة أن هذه العقلانية نكتسبها أساساً من خلال تجاربنا العاطفية، التي لا تسير دوما في الاتجاه الصحيح، أو في الاتجاه الذي نريد. فمع تعاقب التجارب العاطفية يصبح الإنسان أكثر تعقلا وحكمة، ويبدأ في التمييز بين العسل المصفى، وبين العسل المدسوس بالسم، ثم مع الوقت يكتسب القدرة على تذوق العسل دون الوقوع في فخ السموم المقدمة في صورة العسل، ثم ترسُخ قدمُه أكثر فيبدأ في التمييز بين السم النافع وبين العسل الضار، وتلك درجة لا يصل إليها إلا الألبّاء من بني البشر.

وما أن يتقدم بنا العمر حتى نبدأ في التفكير في أنفسنا أولا بدلَ محاولة إرضاء الآخرين وتقديم الوعود الجذابة لهم. العواطف تجعلنا مرهفي الحس، ولكنها تجمّد عقولنا، وترسلها إلى إجازة قد تطول وقد تقصر. العواطف قد ترضي رغباتنا الجامحة في السلطة والتملك والشعور بالقوة والاهتمام والحب. ولكن عواقب ذلك كله لا تكون دائما مرضية محمودة. لذلك عواطفنا بحاجة ماسة إلى تخليق وترشيد وعقلنة، لأنه من دون ذلك ستكون سبب هلاكنا الحتمي.

إن التقاء حبيبين سابقين بعد أن خط كل واحد منهما مسارا لحياته الخاص به، هو لقاء عقلاني، تصبح فيه العاطفة محكومة بالعقل، وبذلك يكون الحديث بينهما حديث عاقلين لا حبيبين مجنونين، فيتصرفان تصرف العقلاء، دون أن يعني ذلك أن الذكريات تُمحى بالكلية، لكن النضج وتجارب الحياة تحتّم عليهما التعامل فيما بينهما، وخاصة حين ينتميان إلى بيئة ومحيط اجتماعي قريب. إن التقدم في العمر يُكسبهما نضجا هو ما يجعلهما يتعاملان فيما بينهما بهدوء وعقلانية، لا بعاطفة واندفاع، وهذا أمر عادي، بل هو في الحقيقة من أهم دروس الحياة: أن تستعدّ لتتغيّر، وأن تستعدّ لتقبل تغيُّر الآخرين، وتغيُّر موقعك في قلوبهم.

ومعلوم أن تجاربنا مع الآخرين غالبا ما تكون محبطة، لارتفاع سقف توقعاتنا أحيانا، أو لسوء اختياراتنا في أحيان أخرى. لكن هذه التجارب المحبطة هي ما يدفعنا لكي نعيد النظر في طريقة تفكيرنا، ومراجعة نظرتنا إلى هذا العالم، والذي نحسبه في سذاجة بالغة أنه موطن سلام ووئام وحب وصفاء، فنتعامل معه بفطرنا الأصلية السليمة، لكن سرعان ما نُقرَع على رؤوسنا بخيبات تلو الخيبات. وتكرار هذه التجارب المؤلمة يغير نظرتنا إلى الناس أيضا، وإلى كل مَن حولنا، ونبدأ في تشكيل مواقف جديدة، ورؤى جديدة للعالم مبنية بالأساس على الاحتياط والحذر. هذه الرؤية للعالم تتشكل وتتغير مع تجاربنا، فكلما كانت تجاربنا أفضل وأمتع وأجمل، كانت رؤيتنا للعالم متفائلة وسائجة أكثر، والعكس، فكلما كانت تجاربنا سيئة ومحبطة كانت رؤيتنا للعالم حذرة ومتشائمة. يزداد كل من أملنا وآلامنا باختلاف تجاربنا إيجابا وسلبا.

الإنسان كائن يتأثر، تتحكم فيه قوانين متداخلة: طبيعية ونفسية وبيولوجية وجينية وروحية، وأخذ ذلك بعين الاعتبار يجعلنا نتوقع سلوك الآخرين، ولا نطالبهم بما لا يستطيعون، وما لا يساعدهم عليه محيطُهم الاجتماعي. كما أن الوعي بذلك يمنعنا من أن ننخدع بهم، أو نعطيهم أكثر مما يستحقون. ببساطة، إن الوعي بذلك يجعلنا نتقبلهم، بوصفهم بشرا يتأثرون ويتغيرون بشكل دائم.

والناس معادن وأصناف، تتشكل في مراحل من العمر طويلة، فمنهم الحمقى والمتكبرون والنرجسيون والقديسون والنبلاء، ومنهم من متعه الله بحس مرهف، ومنهم من نُزعت الرحمة من قبله، لكنهم جميعا يقومون بدور مهم في بيئتنا الاجتماعية، ونتعلم منهم الكثير، ومن خلال التفاعل معهم نفهم ذواتنا، ونصحح مفاهيمنا عن الحياة. ومن الحكمة أن نتوقف عن التضحية بأوقاتنا الثمينة لتغيير سلوكهم الضار بالمواعظ والإرشادات، تعاملُنا وسلوكُنا وحده الذي يمكنه أن يؤثر فيهم، ومن المهم أن نعي أنه من غير الممكن أن نعيد هندسة الطبيعة البشرية. وعلى افتراض أننا نجحنا بطريقة ما في ذلك يوما ما، فلن نكون راضين عن النتيجة؛ لأن الإنسان يتقلب باستمرار، ولا يمكننا التنبؤ بما يستطيع القيام به، أو بما سيكون عليه في الغد.

وفي هذا الصدد، يقول وليام جيمس عالم النفس الشهير: “عندما يلتقي شخصان، فهناك ستة أشخاص في الحقيقة.. هناك كل شخص كما يرى نفسه، وكل شخص كما يراه الشخص الآخر، وكل شخص كما هو حقاً.” ويذكر في مقام آخر أن “الرجل لديه العديد من الوجوه الاجتماعية يغيرها حسب الأشخاص الذين يهتم بآرائهم، ويظهر جانبًا مختلفًا من نفسه لكل مجموعة من هذه المجموعات المختلفة”.

فإذا صح هذا، فيكون من غير العدل أن نلقي اللوم على شخص، لأنه لم يفهمنا أو لم يحاول أن يتفهّمنا، فإذا كان صعبا على الإنسان أن يفهم نفسه وذاته، فكيف يجوز له أن يلوم الآخرين لأنهم لم يفهموه جيدا، أو لم يفهموه بالطريقة التي يحبُّ. إن الغضب من الناس لأنهم لم يفهمونا، أو لكونهم تغيروا عنا بمرور الزمن لهو في نظري أقوى الأدلة على أن الشخص لم يُحصّل القدر الكافي من الرشد والنضج بعدُ؛ لأن الحد الأدنى من الرشد يَمنعك من لوم الآخرين على أنهم تغيروا. وهذا الغضب استمرارٌ للعاطفة، واستمرار لهيمنتها في مواقفنا اليومية، فأن أطلب منك أن تبقى كما عرفتُك يُوحي بكوني أحاول استدعاء مواقف عاطفية في الماضي وقعت لي معك، أو أنني ما أزال تحت تأثير جرج غائر لــمّا يلتئم.

وأخيرا فإن من علامات النضج أن نقلل من أهمية ما يظنه الناس بنا، أو أن نقلل من أهمية ما إذا كانوا مهتمين لشؤوننا أم لا. دون أن يعني ذلك أن نعيش في تعالٍ وانفصال عن واقعنا، بل يكفي أن لا نبالغ في إعطاء الأهمية لذلك. وكما قال كريستوفر والكن: “إذا كنت تعرف مدى سرعة نسيان الناس للموتى، ستتوقف سريعا عن العيش لتنال إعجاب الناس”. وما أكثرُ الناسِ، ولو حرَصتَ، بمعجبين بك، أو مهتمين لأمرك، أو سعداء لنجاحك. فإذاً لِمَ عليك أن تكون قلقاً بأمر لن يحصُل، وحتى لو حصل ما كانت لتكون لك فيه مزية أو ربح.