كيمياء الصراحة

أن تكون صادقا في علاقتك الاجتماعية أمر مطلوب وضروري لتوفير أرضية مناسبة للتواطؤ والتساكن. لكن، من الذي يجعل من الصدق أحيانا بداية لنهاية الألفة، ونشوب خلافات حادة لا تطاق بعدها الرفقة؟

لعل من أعظم نعم وجود خليل بجوارك هي تلك القدرة على الكلام والبوح حول الكل ولا شيء، في جو من الصراحة والطمأنينة بعيدا عن أي أحكام مسبقة، أو نوايا خفية، أو عتاب جاهز أو تسفيه وتهكم من مضمون كلامك.

كلام نظري جميل ومنمق وموجود في معظم الكتب والروايات حول الصداقات الخالدة والمميزة. لكن، بالعودة للواقع المعاش وبإعطاء الكلمة للتجربة والمحاكاة يتضح أن لكل منا قدرة على تحمل جرعات الصدق، ويتأكد ذلك بالملموس حين يعجز الآخر -ونحن أيضا في تجارب الغير- عن أن يكون في مستوى صراحتك حول موضوع ما، إما بتسفيهه أو باستغلاله ضدك، ليس بالضرورة لهدف ما ولكن أساسا لأنه يفوق مقدرته على تحمل جرعة صراحتك، ليس مطلقا ولكن في موضوع بعينه.

يكون الشعور الطبيعي حينئذ هو الندم بطعم الحسرة، لإدراكك السطحي أن الآخر ربما لم يكن جديرا بكل تلك الثقة، لكن، بعيدا عن خطاب المظلومية وتصوير الآخر في صورة الشرير الغادر، لا بد من الوقوف على ما شاب هذه التجربة من سوء تقدير لمن أمامك وتحميله ما لا يطيق.

فوق طاقتك لا تلام كما يقول المثل، كذلك فوق جرعتك من الصراحة لا تُحاسب. فقبل أن نطلب من الآخر أن يتفهم صراحتنا وأن يتفاعل معها كما نريد لا بد أن نتأكد أولا أنه في مستوى تلك الصراحة، فلكل كلمات أُذن وليست كل المواضيع قابلة للمصارحة؛ إذ الخِلاّن أشكال وأنواع، منهم من يتفهم صدقك في موضوع ما ويصعب عليه ذلك في موضوع آخر، وليس المطلوب أن يكون للجميع ممن حولك نفس القدرة في جميع المواضيع.

إذا كان الأصدقاء أنواع، فالصراحة كذلك، إذ لكل صديق جرعة صراحة ولكل صديق مواضيع نصارحه فيها، ولعل أبرز تجليات الذكاء
الاجتماعي، فن تقدير من أمامك والقدرة على تكييف جرعات الصراحة وحسن اختيار مواضيعها.

إن أساس العلاقات الاجتماعية كيمياء، ولا يمكن للمجرب أن لا يحترم الجرعات أو أن يمزج عشوائيا بين مكوناتها، منتظرا في الآن نفسه نجاح تجربته. وفي التجارب الإنسانية تكون المسؤولية جماعية بنسب متفاوتة، ومن واجبنا قبل محاسبة من نجالس على خيانة الثقة أن نرسم أولا حدودا لتلك الثقة وأن نضبطها في جرعات معقولة ومتوازنة في مواضيع محددة، على أن لا يطلب منا الطرف الآخر جرعات أكبر حول موضوعات أعمق حتى لا نُتَّهم بالغموض أو أن نلجأ آسفين مضطرين لكذب مباح!