لا أَهجُر إلاّ اسمك

استوقفتني هذه العبارة المقتبَسة من حديث النبي صلى الله عليه وسلّم، الذي أخبر فيه عائشة رضي الله عنها عن كونه يعرف متى تكون غَضبى ومتى تكون راضيةً عنه.

فإذا كانت غَضبى رضي الله عنها، تقول: وربّ إبراهيم، بينما إذا كانت راضيةً، تقول: ربّ محمّد.

فأجابته بكلّ حُبٍّ وَرِقّة: أجل، والله ما أهجر إلاّ اسمك يا رسول الله.

قلتُ في نفسي: ما أحوجنا إلى حُبٍّ لا يتعدى الهَجرُ فيه للاسمِ إلى أشياءَ أكبر في المعنى والسّلوك.

حُبُّ الوعي والإدارك، حُبُّ التوازن بين العقل والعاطفة.

ذلك الحُب، الذي يُضفي على مشاعرنا وأفكارنا الكثير من الاطمئنان والسّلام النفسيّ. حيثُ نغار فيه، ونغضب، ونحزن وننكسر.

لكن، بدون تغييب وعينا الكامل، والاستسلام لعواطفنا الهوجاء، التي غالباً ما تكون خدّاعة، مُضَخِّمةً للأمور. وهذا أحد أدوارها في الحقيقة.

حُبٌّ لا يَهجر الطرف المُنكسِر فيه سِوى اسم حبيبه، فيُحافظ على مكانته في قلبه كما هي، وإن ألمّت بهما مشاكل قد تجيء أحياناً تمحيصاً للقلوب وللمشاعر المكوِّنة لها، ومدى درجة صدق وثبات ذلك الحُب في كلا القَلْبَيْن.

مقالات مرتبطة

ليس لإنهاء العلاقة وكسر طرف دون الآخر. هي بمعنى آخر، محطة من محطات التطهير القَلْبيّ أسمَيتُها “بالتّصفية”.

إلا اسمك، سأغضب وأثور حسب درجة توازني، التي أملَت عليّ ألاّ أسمّيكَ وأنا غاضبةٌ منك. ثم سأحاول ملء وعيي معالجة المشكلة بيني وبين نفسي وأن أَسُدّ عن الشيطان كل الثغرات كي لا أُسعِده بنزاعنا.

أدركُ جيداً بأن الانسياق وراء الأفكار والمشاعر السلبية منه (الشيطان)، لأنه يَفرح لتعاستنا وينشرح قلبه بكامل حِقده وكرهه حينما تتحقق سياسته المبنية على الانتقام، منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها، سياسة “فَرّق تَسُد”.

هو نوعٌ آخر من الإدراك لماهية وجود الإنسان وأسباب خَلقِه.

سأراجع مفهومي الخاص بالأنوثة وسِيماتها فأتذكر الرِّقّة والحياء، فأعود أدراجَ تفكيري في كلّ ما راوَد عقلي وأنا في لحظة غضبٍ منك، فأعفو وأصفحَ الصّفح الجميل. لا ضعفاً مني، بل مودّةً ورحمة.

نحن بحاجة إلى حُبّ تَغلب فيه كفّة الرّحمة على جميع كفّات ميزان مصادر الحب الأخرى. ما حاجة المرء إلى قصائد حب وأشعار حينما يكون التّفهُّم في غيبوبة كاملة؟

ماذا سيستفيد الحبيبان من حضور كلّ مشاعر الحب، (والتي غالباً ما تنبع من رغبة كامنة في التملك لا في الحب بالمفهوم الواسع جداً)، لكنهما يَقسِيان على بعضهما أشد القسوة؟ (لأسباب تعود لهما).

ما نفع المرء حقاً من حياةٍ بِلا رحمة؟

أن نَرى بعضنا البعض بعين الرحمة، فنتذكر بأن الحياة قاسيةً علينا جميعاً وعلى كلّ واحد منا بدرجةٍ قد تفوق الآخر. فنُحسِن الظن مِن هنا، ونَرحَم بعضنا من هناك، بينما نعفو ونغفِر زلاّت بعضنا البعض إيماناً منّا بأن الخطيئة هي أصلُ الإنسان وأنّ الإنسان مخلوق ضعيف مهما بَدا قاسياً مُتجبّراً، فأصله الهشاشة والوَهَن.

نحن بحاجة إلى محاكاة توازن عائشة رضي الله عنها ومحمد صلّى الله عليه وسلّم، فنُوازي بين العقل والعاطفة بمعنىً يحقق السلام بداخل المرء.