لا بأس بالقليل من الغرابة!

لا أدري لِمَ يجتاحني شعور بالغرابة كلما كبرت سنة تلو الأخرى، ذلك الشعور العميق الذي لا أدري كنهه، أقف أمامه مرتابة متسائلة، لماذا هذا الإحساس؟ لا أدري هل هو شعور عرضي يجتاح الفرد، أم أن له أبعادا أخرى؟! والسؤال الآخر الذي دائما ما يحيرني، هل كل البشر يشعرون هكذا، أم أن مشاعر مغايرة تتربص بصدور بني البشر؟ دائما ما أفكر في طبيعتنا نحن البشر، غريبون لدرجة أننا نقف مدهوشين أمام أنفسنا، لا ندري كيف نحلل مكنون ذاتنا ومشاعرنا؛ إذ إننا في لحظات من العمر نشعر وكأننا في خضم مواجهة شخص لا نعرف من هو أو كيف يكون!

كلما قرأت للأب العظيم للأدب الروسي دوستويفسكي أقف مدهوشة أمام قدرته العجيبة على تحليل الذات البشرية، براعة لم يتجاوزه فيها أحد، يشهد له التاريخ وكتبه خير شهيد على تلك القدرة العجيبة في إخراج مكنونات الذات البشرية وخباياها، وتحليلها بطريقة مبهرة يقف أمامها القارئ مدهوشا ومتسائلا كيف تأتى له هذا؟

في راويته الإخوة كارمازوف بأجزائها الأربعة نلمس تلك القدرة السحرية التي تأتت لهذا الكاتب العظيم في تحليل كل شخصية من شخصيات الإخوة، وإخراج جل المشاعر المتناقضة والصارخة التي اعتلت قلوبهم ونفوسهم، بداهة عجيبة تأتت لهذا الكاتب العظيم! وكلما قرأنا له وخضنا وأنصتنا لما يريد قوله عبر تلك الكلمات، تبدت لنا الصورة واضحة جلية، صورة الفرد منا وتعقيداته، فيعلم بذلك حق العلم أن فهم ذاته وفهم الآخر ليس بتلك السهولة المفترضة، كما أنها ليست بتلك الصعوبة المفترضة!

فدستويفسكي استطاع أن يجعل من شخصيات رواياته صورة تلامسنا نحن، ما حاكه في مجتمعه الروسي وما سعى إلى حله آنذاك في مجتمع كذاك في زمن كذاك قد لا يطبق ولا يجب أن يطبق حرفيا في زمننا اليوم، لكن، يبقى تحليل الأمور بتلك البداهة التي عرف بها غايتنا ووسيلتنا اليوم لحل وفهم ذاتنا والتصالح مع تناقضاتها إن تطلب الأمر!

قد يختلط على الفرد منا الأمر في فترة من فترات حياته، وقد يعاود الكرة في كل سنة من حياته! لربما هي ضرورة أن يصمت الفرد ويختلي بنفسه ويترك لأفكاره أن تنساب الواحدة تلو الأخرى، أن يضعها جنبا إلى جنب فوق طاولة الحسابات ويراجع ذلك الإنسان الذي أصبحه، قد يحس بالغرابة، ويتساءل: لماذا هذه الغرابة؟! قد يتفاجأ من ذلك الإنسان الذي صاره، وكيف صاره، قد يفرح لأن عاما جديدا قد فتح أبوابه، معنى ذلك أن الله قد أذن له بفرصة جديدة ليبدأ بداية جديدة، ليحاول محاولة جديدة.

إنها توعية وتذكير بأن شمعة من شموع العمر عليها أن تشعل من جديد، شمعة مكوناتها بسيطة، من تفاؤل، وأمل، وشجاعة، وعمل، وجد، وصمود، وحب، ووفاء وإصرار على المبدأ؛ إيمان، واحتساب، وإنسانية، وثقة بالذات وإيمان بها، قد تمتلئ بقليل من الخيبات، لكن نغطيها، نداريها بإنجازاتنا البسيطة العظيمة في أعيننا والتي تدخل الفرح لقلوبنا.

صفحة جديدة تعلن أن كل ما فات قد فات، وكل خيبة وكل ألم مضى واندثر، فعلينا أن نحطم تلك الخيبات والانكسارات لا أن نركنها جانبا؛ لأن البناء على الأنقاض لا يجوز، فالأساس مهم! صفحة جديدة ليعقد الفرد العزم على أن يسقي النفس ويساعدها على أن تنهل من كل العلوم ويقلص جغرافية جهلها ماشاء الله له أن يقلص. إن ذلك الميثاق الذي يعقده الفرد مع نفسه هو من الأهمية بحيث لا يدركها الفرد منا حتى تمضي السنون!

إن كمية الأحاسيس التي تتجمع على الواحد منا في تلك الليلة أو ذلك اليوم، الذي نسميه بيوم الميلاد، هو مصدر الغرابة، هذا ما توصلت إليه بعد كل ما كتبته أعلاه. قد يكون حلا وسطا لتبرير تلك الغرابة؛ إذ تتجمع كمية هائلة من المشاعر التي قد تكون متناقضة في بعض الأحيان، من فرح وقرح، لكن كما فعل دوستويفسكي، علينا فرد تلك الأحاسيس على طاولة محايدة وتحليلها الواحدة تلو الأخرى، وسنعلم بعدها مدلول كل شعور، وسنرتاح بعدها، لأننا بذلك سنتوصل إلى عمق ذاتنا، وإذا فهمنا ذاتنا سيغنينا ذلك عن العالمين!

1xbet casino siteleri bahis siteleri