لا تمنح أبناءك نفس الحب!

625

لا يختلف اثنان على أن الحب من أنجع وسائل التربية، فكلما كان خزان الحب مملوءا عند الطفل وأحس بحب والديه اللامشروط، كلما أصبحت عملية التربية سلسة وميسرة، وكلما صارت شخصيته أكثر توازنا. وكلما نقص مخزون الحب عند الطفل كلما استعصى التواصل معه وتعقد أمر تربيته…فمن المهم جدا أن نعبر لأبنائنا عن حبنا لهم والأهم من ذلك أن يشعروا بهذا الحب. ولكي يشعروا بأنهم محبوبون، فلا بد أن نتكلم لغة حبهم.

يتحدث جاري تشابمان عن مفهوم لغات الحب في كتابه “لغات الحب الخمسة”، ويوضح كيف أن الناس يعبرون ويتلقون الحب بطرق مختلفة يطلق عليها لغات الحب وهي التلامس الجسدي، وكلمات التوكيد، والوقت النوعي، ولغة الهدايا، وأعمال الخدمة، ثم تناول هذا المفهوم من جانبه المتعلق بتربية الأطفال بمعية الدكتور روس كامبل، وأبرزا معا أهمية التحدث بلغة حب الطفل الرئيسية من أجل أن يشعر بالحب على الوجه الأفضل، والنجاح في تربيته على الوجه الأفضل، وذلك في كتابهما “لغات الحب الخمسة التي يستخدمها الأطفال”.

من المهم جدا أن يتعرف الآباء على لغة حب أبنائهم، من أجل أن يشعروهم بحبهم فعلا، كما أن ذلك سيساعدهم بشكل كبير في فهمهم وفهم كيفية التعامل معهم بأفضل حال. فالطفل الذي يستخدم لغة أعمال الخدمة، ستجده يطلب من والدته أن تساعده في ترتيب غرفته أو إنجاز واجباته، ويلتمس من والده إصلاح لعبته، ليس هذا بالضرورة كسلا أو تهاونا منه كما قد يفسره بعض الآباء، ولكنه بطلبه لذلك يريد أن يشعر بالحب، وعندما تُقابَل طلباته بالرفض فإن ذلك يترجم عنده بنقص في الحب تجاهه.

عند الرغبة في تعبيرنا عن الحب لمن حولنا، تجدنا عادة ما نستخدم لغتنا التي نفهم الحب من خلالها، متوقعين أن الطرف الآخر سيشعر بهذا الحب ويقدره، في حين أن المطلوب أن تتحدث لغة حبه، فبذلك يشعر أنه محبوب.

قد تجد والدا يعمل ويكد ويجتهد كي يوفر حياة جيدة لأسرته، ليوفر لابنته كل ما تحب، ويغدق عليها بالهدايا، ويقتني لها أحسن الثياب ولا يتوانى عن جلب ما تشتهيه من الطعام، على اعتبار أن المنح والهدايا أفضل وسيلة للتعبير عن حبه لها، إلا أنه قليل الكلام ونادرا ما يعبر لها عن حبه بالكلمات، ولا يتجاوب بشكل كبير مع حديثها عن نتائجها المميزة في الدراسة، ومظهرها الجميل كل صباح… ولأن لغة حبها الرئيسية هي كلمات التوكيد، فإنها لا تشعر بأنها محبوبة بشكل كاف من طرفه.

مقالات مرتبطة

لم أكن أستوعب، قبل قراءة الكتاب، لماذا لم تكن ابنتي تتجاوب مع أحضاني بالشكل الذي يتجاوب به أخوها الذي كان يطيل العناق، ويحب أن يجلس دائما بجنبي، كما يستمتع بمصارعة والده وامتطاء ظهره. في المقابل كانت هي تفرح بشكل كبير بالأشياء التي قد أقتنيها لها، مهما كانت بسيطة كجوارب أو أوراق رسم، كنت أخشى أن يكون ذلك بوادر لشخصية مادية متعلقة بالأشياء على حساب كل ما هو معنوي… ولم يكن ذلك سوى اختلافا في لغة الحب لدى كل منهما، فقد كانت لغة حبه الرئيسية هي التلامس الجسدي فيما كانت لغة حبها الرئيسية هي الهدايا.

يولي عدد من الآباء أهمية كبيرة للنجاح والتحصيل الدراسي، باختيار أرقى المدراس لأبنائهم وتوفير أفضل الكتب والحرص على قيامهم بالواجبات ومتابعة فهمهم للدروس، والاستعانة بالحصص الإضافية في حالة وجود تعثر في الدراسة، ويغفلون عن كون بعض حالات التعثر الدراسي تكون نابعة من عدم إحساس الطفل بالحب والقبول من طرف والديه، ويكفي أن يشعر بحبهما كي يستعيد أمنه الشعوري وقدرته على التعلم.

إن ملء خزان حب الطفل من طرف والديه باستمرار باستعمال لغات الحب الخمسة وعلى رأسها لغة حبه الرئيسية، يساهم في تقريب العلاقة بينهم، وسيكون له تأثير إيجابي على التربية كما يساعد الطفل على اكتساب الثقة في نفسه ويحفزه على التعلم المدرسي.

علينا أن نحرص كآباء على مراعاة لغة حب الطفل الرئيسية عند التأديب كذلك، فلا ينصح تماما بتأديب الطفل بشيء يمس لغة الحب لديه حتى يتم التأديب بالشكل المرغوب. فلا يصح أن يتم تأديب الطفل الذي يستخدم الوقت النوعي كلغة حبه الأساسية، بحرمانه من مشاهدة فيلمه المفضل معك أو إلغاء النزهة العائلية، لما قد يفهم ضمنيا نقصا من حبك له. ولهذا قد تجد طفلا يتأثر بشكل كبير بكلمات اللوم والعقاب لدرجة قد تجعل كلمة عابرة نطقها والده في لحظة غضب تحطم نفسيته وتغير مجرى حياته، نظرا للقيمة التي يوليها لكلمات التوكيد التي تعتبر لغته الرئيسية. وآخر لا يتقبل بأي شكل أن يحرمه والده من الحضن الذي اعتاد عليه قبل النوم مهما كان خطؤه لأهمية التلامس الجسدي في علاقته به.

من الجميل أن نتحدث كل لغات الحب مع أطفالنا، فهذا سيفيدهم في كيفية تعاملهم مع الآخرين، كما أن لغة حب أطفالنا قد تتغير خلال نموهم، وسيكون من المفيد لهم أن يتعلموا التحدث بكل لغات الحب، ولكن الأولوية في تعاملنا معهم كآباء يجب أن تكون للغة حبه الرئيسية والتي يمكن أن تختلف بين الإخوة، لهذا يجب أن نحرص على إشباع الحاجيات العاطفية الفردية لكل منهم بالتحدث مع كل طفل بلغة حبه التي يفهمها، ونراعيها عند التأديب…ولأن لكل طفل لغته الخاصة، علينا ألا نمنح أبناءنا نفس الحب.