لست خيارا، أنا من يختار

نتجسّد من عدم في الأرحام، ثم نسقط منها في باص الدنيا، دون استفسار عن إرادتنا، أو فرصة لاختيار جنس أو وطن. نأخد وجهات مختلفة تارة، وأهدافا مشتركة تارة أخرى. نتوقف في محطات كثيرة، ونرتحل مُددا أخرى ليست قصيرة. نلاحظ مِلء محطاتٍ عن آخرها، ولا نتجرّأ على وضع نهاية لفراغ أخرى. فأيّهم الأفضل لنا والأنسب؟ نرى أناسا يترجّلون، ونرى آخرين يركبون، ونستغربُ ممن لا يهتمّون بكلّ ما يحيط بهم وبالطريق، وكأنهم يتوجهون بزهدٍ نحو آخر محطة مباشرة، لا يفكّرون في التوقف قبل ذلك أبدا. و”سُحقا” يقول المنطق دائما، ضاربا على طاولة الإدراك بعنف، عندما يُذكّرُ أن آخر وجهة هي القبر، ويُتبعها بسؤال: “فلماذا نركبُ أصلا!؟”

أمّا عن أي المحطات أنسب، فجوابها ليس عندي ولا يحتويه عقل أو قلب، إنما الجواب في عين المكان هناك، مهما جمعت من المعلومات، ومهما سرد لك الناس وحذّروك، ومهما حبّبوا أو كرّهوا أو حتى أكرهوك. لن تعلم إلا إذا خضت تلك المغامرة، فكما خاصياتهم وأجناسهم شتّى، كذلك هي رؤيتهم وردود أفعالهم، مختلفة أيضا، لا يصحّ إسقاط تجربتهم على حياتك، لأنك كل إنسان متميّز عن غيره، وهذه ميزتنا كجنس بشري. وهذا الاختلاف يظهر جليا في الحشود التي تتحرك في جميع الاتجاهات، في الميادين ومحطات المترو مثلا، تعلوهم ملامح مختلفة محصورة بين التفاؤل والتشاؤم المطلقين، وتحبو على أجسادهم علامات النشاط أو التّكاسل أو ما بينهما.

وأما عن سبب التواجد في هذه الرحلة، وبعيدا عن كلّ ما كل فلسفة وجودية، سواء أ كانت مستندة على إيمان موحّد لله أو إلحاد. فإن الغموض الذي ينقشع في بادئ الأمر كافٍ لتعمّ الفوضى مبادئك ومعتقداتك المُسبقة. تتضاعف بها سلسلة التساؤلات يوما بعد يوم، وتحملك إلى استنتاج واحد، ألا وهو: أن الأمر لا يستحق كلّ هذا العناء، حجم مشاعر الكره هاته وأصوات البكاء، والقتل والحرب ولا حتى عناء الفرار إلى ملاجئ التفكير في بعض الأمور الدّنيوية التافهة. وهذا بحدّ ذاته يُفسّر إرداة فئة من البشر في إنهاء هذه الرحلة بشكل أو بآخر، خصوصا لدى الشباب، البعيدين عن الاستقرار الفكري بُعد السماء عن الأرض، أو فئات أخرى ممن استقرارهم ليس كافيا للصمود أمام عواصف الأزمات وطوفان اليأس.

مقالات مرتبطة

وإذا قرّرت في آخر المطاف بعنادٍ مواصلة الرحلة، تأكّد، قبل أن تتوقف في أي محطة، أنها تستحق الثمن الذي دفعته لبلوغها، فالدموع والعرق والجهد ليسوا ثمنا بخساً بتاتا وقد تكون محطة أخرى تستحقهم أكثر من غيرها. وتأكد مرتين أو ثلاث مرات إذا كان الثمن شبابك. وتذكّر أن كلّ الرّكاب أقصى ما يبلغونه هو محطة الموت، عاجلا أم آجلا. خد هذه المعايير في الحسبان، وستتغيّر نظرتك الوَلِعة وسيتوقف بكاؤك على أسخف الأمور، سيتحولون في رمشة عين إلى زهد عن كلّ ما هو سطحي تافه، فاتن لعقول وعين كلّ بشر. وستبوئ تركيزك مجددا إلى الأواصر والثروات اللاملموسة، كأنك طفل مرّة أخرى، ستلقي بنفسك في جمال الطبيعة مثلا، وفي الحبّ بدون مقابل، وستستنجد بالكتب في كلّ فرصة، وبالكتابة عندما تحاصرك تناقضات الناس بشكل خاص، وتسأم من تفاهة الواقع بشكل عامّ.

وفي ظلّ هذه التناقضات، يتمرّد المنطق البشري من شدة فقره في الاستيعاب، متسائلا عن الحكمة في خوض رحلة نهايتها تحت التّراب، وهو طبعا لا يُلام على ذلك. ولكن، تلام ذاكرة السمك لديه، التي تنسى كون هذا يقينا، وتُسقطه في فخّ الشهوات وغريزة البقاء الحيوانية لديه، فيزداد تعلّقا أكثر وتسليما، ويشتدّ فيه الولع بهذه الرّحلة رغم فنائها.

ومن باب التذكير، فإن الملامة، والبحث عن المُلام، لم يكونا قطّ حلّا لأي عقبة، بل تهربا، لذا فالمواجهة واجب، والشجاعة شرط.

إن الأرحام لا ذنب لها، ولا لأي عنصر فانٍ في هذا الكون دخل في وجوديتك أو تأثير على سيرورة الزّمان. لذا، كفاك نواحا، وتحمّل مسؤولية قراراتك ومبادئك واهتماماتك، وفكّر مجددا في قيمة الفانيات في عينك، وتشبّت بحبل العيش بقوّة، وتعايَش، فضولا منك وعنادا لكل العراقيل التي تتحدّاك، وتتحدى صمودك وثبات عزيمتك حتى آخر رمق من الرحلة. وإن كان القدر هو سائق الحافلة ومن يمسك المقود فيها ويحملُك إلى محطات الحياة، فأنت من يختار مع أيّ قدر تركب في بادئ الأمر، وتختار أي إنسان تكون؛ لأن القدر ببساطة غيرُ عاقل، وأنت من في الأصل يفكّر.