لشبونة… تجسيد تلاقح الحضارات

320

تختلف نوعية علاقتنا بالناس ممن نلقاهم، وممن تجمعنا بهم الأقدار من شخص لآخر، فمنهم من يترك -في زمن وجيز- الأثر العظيم في قلوبنا، ومنهم من يترك الأثر نفسه لكن يحتاج لوقت أطول، وكلاهما ينزل القلب منزلة عظيمة فيحتله ويستوطنه بإرادتنا، ويبني جسر الثقة المتين مغيرا بذلك فينا الكثير، ليشكل جزءا مهما في حياتنا، ويساهم بقدر كبير في سعادتنا ثم يصعب علينا ويحز في أنفسنا وداعه وفراقه بعدها…ومنهم بالمقابل من يمر بحياتنا مرور الكرام، سواء طالت معرفته أو قصرت، فيكون فقدانه أو وداعه بالنسبة لنا ربح لا خسارة، ويكون التخلص منه كالشفاء من مرض أرهق جسدنا، فنسعد برحيله كسعادتنا بذهاب علة أصابتنا…

ذات الشيء ينطبق على الأماكن والمدن التي نزورها، منها ما يضيق صدرك بمجرد أن تطأها قدمك، فتنفر منها نفسك دون سبب يفسر ذلك، ومنها التي تألفها النفس وتستلطفها الروح وقدمك ما لامست سطح أرضها بعد…يجتاحك شعور مسبق بالارتياح بمجرد التخطيط لزيارتها، ويتأكد الشعور سريعا عندما تحط بك الطائرة في مطارها أو القطار في أحد محطاتها..

هي لشبونة أو ليزبوا كما ينطقها أهلها…مدينة الاختلاف في قارة التشابه، أي القارة العجوز وهي عاصمة البرتغال أو البرتقال كما يشاع عنها. تعد من بين أقدم مدن العالم، التي تأسست قبل أن يكون للعواصم والمدن الرائدة حاليا -كلندن و باريس- وجود.

تجد فيها من النظام الطاغي الذي يطبع معظم أروبا مع قليل من عشوائيتنا المحمودة، مدينة تجد فيها أيضا جودة الحياة مع وجود الحياة في ذات الآن، على غرار جل المدن الأوربية الخاوية على عروشها…مدينة تجمع بين الأصالة والمعاصرة…مدينة تشبهنا نحن المغاربة بالأخص كما نشبهها، فيها منا ومن حضارتنا الشيء الكثير، كما منا ومن حضارتنا فيها على القدر سواء…ليس شرطا أن تكون ملما بالتاريخ لتلاحظ أنه كان هناك شيء مشترك يجمعنا، وعلى الخصوص من حالهم مثلي، أي المنحدرون من مدن سبق واحتلت من طرف البرتغال، وعلى سبيل المثال لا الحصر مدينتي الحبيبة مسقط رأسي “آسفي” التي احتلت في أواسط القرن الخامس عشر من طرفهم.

مقالات مرتبطة

في البداية اختلط علي شعور: من نقل الحضارة من الآخر، فالمسلمون فتحوها أولا بقيادة طارق ابن زياد في القرن السابع ميلادي، وحكموها ما يزيد عن 400 سنة وبعد 300 سنة من سقوطها، تغزو البرتغال بدورها المغرب وتستوطن مجموعة من مدننا الساحلية بما فيها الصويرة، وأصيلة وغيرها من المدن التي سكنوها وشيدوا فيها القلاع، والأسوار، والحصون والأبراج الشاهدة على مرورهم للآن…

زيارتك للشبونة يجعلك تستشعر دفء المدينة القادم من اعتدال طقسها المعهود، كما من سكانها الذين يطغى عليهم الطابع الاجتماعي.. فسكانها أناس بسطاء مرحبون، وملامحهم مزيج مركب بين ما هو وافد أسمر عربي أمازيغي أصيل، وما هو محلي أجنبي أبيض البشرة..لا هم بفارهي الطول ولا قصار القامة مثلنا تماما..

وأنت تتجول في شوارعها المكتظة بالراجلين، تلاحظ بين الفينة والأخرى أن أكتاف المارة تلامس بعضها البعض وتلامس كل من مر بمحاذاتها، لا يتحسسون من بعضهم ولا يكترثون لذلك…وحين تطلب من أحدهم طلبا، أو توجيها أو استفسارا، يجيبك بكل فرح وسرور وبإنجليزية متقنة سليمة النطق، ترافقها ابتسامة صادقة لا مصطنعة، فترد بعدها كاعتراف بالجميل، شكرا ويجبيبك مرحبا أخي مرحبا مطبطبا على كتفك -بنفس عفويتنا نحن- قبل أن يستمر في وجهته.

عندما تتجول في شوارعها يلفت انتباهك أيضا روح الإبداع الأندلسي، عبر فسيفساء الزليج المغربي الذي يكسو أرضية الشوارع، ويزين واجهات المنازل.

باختصار ليزبوا تجسد بوضوح تلاقح الحضارات في بساطتها، ورقيها في أصالتها ومعاصرتها..

وبالفعل، كانت زيارة رائعة، خطفتني معها فصعب علي تركها وفراقها كما يصعب على النفس فراق كل عزيز غال.