لعنة أن تكون عربيا

0 1٬068

أتتخيل أنه قبل أسابيع فقط كان على وجه الأرض أسرى فلسطينيون مضربون عن الطعام لا يغذي أحشاءهم إلا الماء والملح مجبرون على تحمل رائحة المشاوي لأن صهاينة نظموا حفلة شواء قرب السجن عنوة.. ووأن هناك رجالا عراقيين في عمر آبائنا وإخواننا وأجدادنا عذبوا شر تعذيب في سجن أبو غريب في بلاد الرافدين وتعرضوا للاغتصاب والتنكيل عراة فاقدين للكرامة؟  وأن هناك عائلات سورية تتسول على الطرقات في الإشارات المرورية بعدما كانت تعيش في بلاد الشام والعزة والحضارة؟ وأن مسلمين حبسوا في مطارات أمريكا لساعات فقط لأنهم مسلمون وعرب لأن ترمب أراد ذلك؟





أتتخيل أن الرضيع إيلان رماه البحر ميتا على شاطئ من شواطئ تركيا لكن الحرب لم تنته والدمار لم يتوقف رغم أن الجميع اعتقدوا أن بشاعة الصورة ستوقظ ضمير العالم الذي مات منذ زمن؟ وأن نساء عربيّات كثيرات تفقدن فلذات أكبادهن بانتظام بسبب الحرب الأهلية والقصف ورصاص الاحتلال وكأن ذلك صار سنة لا بد وأن تحدث لتترك كيا أزليا على أفئدتهن؟   وأن أسماء محمد وجهاد وإسلام في بلاد الغرب أصبحت سببا في خوف الناس هناك منك؟ وأن وضعك لحجاب في بلاد أجنبية أصبح يبعد بعض الناس هناك ويثير اشمئزازهم و عنصريتهم نحوك؟ وأن الشيء الوحيد الذي سيجعل بعضهم يتودد إليك ويبتسم في وجهك هو نقودك التي ستنفقين في محلات Champs Élysées ولو وضعت نقابا ولَم يظهر منك شيء قط؟

 

وأن سكان مضايا في سوريا كادوا أن يموتوا من الجوع والذل ومنهم من يقول أن القطط في مضايا صارت تشتهى؟ وأن اللحم في بعض البلدان العربية صار يشتهى كما يشتهى شيء نفيس يأتي في السنة مرة فقط؟ وأن الدول العربية مجتمعة تصدر كتبا أقل من كيان قام منذ ستين سنة فقط؟ وأننا أمة اقرأ لكننا لا نقرأ، لا نقرأ إلا أسطرا قليلة موزعة على ملايين العرب من المشرق إلى المغرب؟ أو لنكن صريحين مع أنفسنا لأن اكتشاف العلة أول خطوات الشفاء: نحن أمة لا تقرأ.. وأننا لا زلنا نرثي الأندلس رغم أننا نرمي الأزبال في الشارع وندفع رشوة و لا نحترم الدور. نعم لا زلنا نرثيها في السنة مرة في ذكرى السقوط ونكتب منشورا يتحدث عن الملك الذي قالت له أمه “ابك كالنساء على ملك لم تحافظ عليه كالرجال”.. وأن قاصرات سوريات في عمر الزهور تبعن في السوق السوداء لرجال عرب  في عمر آبائهن أو أجدادهن على إيقاع صمت العالم.

وأنك كشاب عربي تعيش شبابك في أرذل عمر الوطن..  أن يكون حلمك الراهن هو أن تغادره لتبحث عن كرامة في مكان آخر ولو كان غريبا ..أن تكون براءات الاختراع المسجلة بأسماء عربية لا تتعدى رقما صغيرا يحاذي الصفر.. أن تقرر دولة في شمال أمريكا و ثلاث في أوروبا وواحدة في آسيا مصير ملايين المستضعفين والمهجرين والمغتصبين مِن العرب في الشرق الأوسط. أن يتذيل التعليم في الدول العربية الترتيب العالمي منذ الأزل..  أن تخوض الدول العربية حروبا داخلية طاحنة للدفاع عن مصالح الأقوياء الذين أشعلوا فتيل الحرب والفتنة وابتعدوا، صعدوا إلى برجهم العاجي وظلوا ينظرون إلينا في سخرية واستهزاء. أن تهرق دماء الأبرياء من أجل وديان من البترول والغاز والمصالح الاستراتيجية التي لن تنتهي أبدا.  أن يمول الجهل والتضليل ويدرس في المدارس والجامعات.

 

مقالات مرتبطة

أن تنتكس في 1948 و مابعدها وماقبلها لأن لا شيء يلوح في الأفق ويمسح الانتكاسة عن الذاكرة. أن يشجع الشيوخ المسلمون  الشباب على الجهاد ويرسلوا في نفس الوقت أبناءهم إلى الدول المتقدمة للدراسة وَالنَّهل من علوم الطب والهندسة والاقتصاد.. أن تجهد ثوراتنا التي حلمنا بها من أجل وطن تسود فيه العدالة الاجتماعية..  أن تقرأ كل يوم منشورات أفيخاي أدرعي على فايسبوك وهو يحدثنا بالعربية بطلاقة عن الجمعة المباركة بتهكم  وعن أبي هُريرة رضي الله عنه وأحاديثه المنقولة عن الرسول صلى الله عليه والتي توصي باحترام الجار والإحسان إليه والتبسم في وجهه وعن الخبز والطبق الفلسطيني الذي أهدته إياه جارته العربية.




أن توصي إدارات السفارات الأجنبية رعاياها ألا يشربوا من ماء الدول العربية لأنه ملوث وأن يبتسموا في وجوهنا ويؤكدوا لنا أننا على درب الديموقراطية الصحيح. أن يُهرَّب مَنيِ فلسطيني حكم عليه ب ٢٤٨ سنة سجنا ليخصب بويضة زوجته التي تنتظره بأمل لتعطي الحياة لطفل معجزة تحمل جيناته التاريخ والقضية والأمل محملا بالألم.  أن يُقتل أطفال صغار يلعبون الكرة على شاطئ غزة برصاص القناصة المتمركزين في قلاعهم الحصينة فقط لأن حركتهم شوّشت المراقبين.  أن تعيش الظلم والاستبداد وترى الباطل باطلا وتلوذ بالصمت كالجبان لأنك تخاف على أمك وأبيك وأهلك مما تخفيه يد البطش عنهم وعنك.  أن لا يحمل أي اختراع ولو كان مذياعا صغيرا بسيطا أو حتى سماعات الهاتف اسم شركة عربية اخترعته.

لعنة أن تكون عربيا وأنت تحن كل يوم لماض ولّى عندما أسس العرب علوم الرياضيات والفلك والفيزياء والطب والفلسفة، حين كان التنور طاغيا يرمي بأشعته في أنحاء العالم. يوم كان لنا شأن في كل شيء.

لعنة أن تكون عربيا يبكي على الأطلال ولا يفكر مطلقا في أسباب التقهقر إلى القعر، لماذا جرى كل هذا؟ ليس من حقنا أن نعيب الزمن لأن الزمن يعيبنا في صمت. فالأمم تصنع مجدها وخرابها على حد سواء. ونحن صنعنا المجد يوما وصنعنا الخراب كذلك وليس من حقنا أن نلوم شخصا أو جهة معينة لأننا انغمسنا في التفاهات و الأمور السطحية وأهملنا الجوهر وأن المطالب ليست بالتمني لكن الدنيا تؤخذ غلابا.

يؤخذ الشيء من صاحبه عنوة ويسترجع أو يضيع بسبب التفريط واللامبالاة والتساهل وعدم التركيز على الأهم والأصح وذلك ماوقع لأمة كانت تظن أنها لن تنزل القعر أبدا لأنها “خير أمة أخرجت للناس ” متناسية أن ” كيفما تكونوا يُولّى عليكم” ..

لعنة أن تكون عربيا لأنك لازلت تعيش حلم أنه سيأتي شخص ويغير حياتك إلى الأبد ويعيدك إلى القمة متناسيا أن ذلك الشخص هو أنت وليس غيرك. فإن لم تستطع أن تعمل وتدرس وتقرأ وتتنور وتمسح الجهل وتشعل شموعا في هذا الظلام الحالك الذي يعيث فسادا في عقلك ومحيطك وتعيد المجد بيدك فلا تلم أحدا ولا تحس بلعنة أن تكون عربيا لأنك ألصقتها بنفسك يوما وأنت الشخص الوحيد القادر على نزعها.