لو كنتُ امرأة

بمناسبة مرور 25 سنة على المؤتمر العالمي حول حقوق المرأة الذي انعقد في العاصمة الصينية بكين سنة 1995، واستجابةً لطلبِ صحافيٍّ وصديق عزيز، ممن لا يُرَدُّ لهم طلب، ولا يُرفض لهم التماس، كتبت هذا المقال، الذي استُلهم من عبارة “لو كنتُ امرأة”. يشمل خواطر متنوعة عن ماذا سأُغير من آرائي، من قناعاتي، اختياراتي، أولوياتي وأهدافي، “لو كنتُ امرأة”، ماذا سأقول للعالم؟ كيف سأنصح من حولي، كيف ستكون نظرتي للطرف الآخر، للحب، وللزواج، وللعيش كشخص له ذات مستقلة، وأشياء أخرى. والمقال سيُنشر ضمن مشروع مشروعِ كتابٍ سيضم شهادات شخصيات مغربية، من الذكور، حول موضوع المرأة، انطلاقا من هذه العبارة: “لو كنت امرأة”.

وفي البدء، لا بد من الاعتراف، والاعتراف فضيلة، بأنه من الصعب على رجل عاش تسعة أعشارِ عمرِه في مجتمع، سماته الأساس أنه مجتمع “ذكوري”، أن يتصور أو يتخيلَ نفسَه امرأة. ولكني أزعم، في الوقت نفسه، أنني مِقدام محب للتحديات. وعلى كل حال، ومن دون شك، فليستْ هذه بأصعبها. ولا أُنكر أن المسألة، مع ما فيها من الصعوبة، لا تخلو من طرافة، تَدفعك لخوضها بحماسة. وفي الواقع، فإن علم النفس يَذهب إلى أن في كل رجلٍ جزءا أنثويا، يسميه عالم النفس السويسري كارل يونغ “الأنيما”، كما أن في كل أنثى جزءا ذكوريا لاواعٍ يسمى “الأنيموس”. فهي أجزاء منا مدفونة في أعماق أنفسنا لا ندركها ولا نلتفتُ إليها في حياتنا اليومية، والتي فُرض علينا، بحكم التنشئة الاجتماعية، أن نقوم فيها بأدوار الرجولة والأنوثة كما سُطّرت وحُدِّدت لنا سلَفاً. وربما هي فرصةٌ لي في هذا المقال أن أدَعَ هذا الجانب من شخصي يتنفس الأكسجين بحرية، ويعبر عن كنهه كما يشاء.

لو كنت امرأة لأشفقت على الرجال؛ إنهم جديرون حقا جديرون حقا وصدقا بهذا الشعور. الشفقة وحدها هي التي ستكون دوما الموقف والشعور المناسب تجاه هذه المخلوقات الغريبة، التي تظن أنها مَن تملك شفرة الحياة وأسرارها ورموزها، وهم وحدهم العارفون بكنهها وغاياتها، فقط لأنه آثرتْهم طبيعتهم بمزيد قوة في الجسم تُساعدهم على فرض آرائهم إذا اقتضى الأمر، ولأنهم يجلسون أمام أبنائهم، وهم ينتحلون أوصاف الحكماء والعارفين، ليقدموا لهم نصائح يتوهمون أنها ستفيدهم في حياتهم ومستقبلهم.

لو كنت امرأة لصارحتُ الرجال بحقيقة كل الجهود التي يبذلونها، ولبيّنت لهم غاية البيان أنهم لا يبحثون، من وراء ذلك كله، إلا عن إثبات ذواتهم، لا أقل من ذلك ولا أكثر. ولشرحتُ لهم بمزيد تفصيل أن هذا البحث الملح عن إثبات الذات آتٍ إليهم من جهة النقص الذي يعانونه في عواطفهم، وقصورهم في التعبير عن هذه العواطف، وعجزهم عن أن يصارحوا أنفسهم بضعفهم، وقد خلق الإنسان ضعيفا، بنص القرآن الكريم.

لو كنت امرأة لوجّهتُ جزءا من اهتمامي إلى توعية الرجال بضعفهم، وإثبات أنهم لا يقلون ضعفا من المرأة. فإنه إذا كان ضعف المرأة في تصالحها الحاد مع عواطفها، فإن ضعف الرجل في الهروب المزمن من عواطفه. ولعله موقف طريف أن يكون هذا من أول ما خطر ببالي، وأنا أفكر ماذا “لو كنت امرأة”؟ إنه يؤكد أن صراع الرجل والمرأة لن ينتهي، فالرجال لو تحولوا نساء لكانوا نسوانيين-feminists، يحاولون إثبات تفوق جنس الأنثى على جنس الذكور. وهؤلاء النسوة اللواتي نراهن، اليوم، يُدافعن عن حقوق النساء بشراسة، لو كن رجالا لكانوا أكثر ذكورية من كل “ذكوريينا” اليوم! وتلك مفارقة طريفة!

لو كنت امرأة لما غيرتُ مهنتي، كنت سأختار الجراحة ثانية، وأزعم أنني كنت سأبرع أكثر مما أنا عليه اليوم، وأنا رجل؛ لأنني أعتقد يقيناً أن المرأة ستكون أرحم بالمريض، وألطف بالجسم والأعضاء، وأكثر صبرا على صعوبات المهنة وتقلباتها. بل إن الجراحة نفسها لو كانت شخصا لكانت امرأة: امرأة شغوفة قوية متقلبة المزاج وصعبة الطباع، لا تقبل بالسلبيين أو المترددين. وهل يفهم المرأة شخصٌ أفضلَ من امرأة مثلها ومن جنسها؟ إنه لن يحسن التعامل معها سوى امرأة تشبهها. وإذا كان المثل الإنجليزي يقول: “الجراح الجيد يجب أن يكون له عينا نسر، وقلبُ أسد، ويد امرأة”، فإني أقول: الجراح الجيد يجب أن يكون امرأة.

لو كنتُ امرأة لكنتُ سعيتُ في توفير وضمان مساحة أكبر من الحرية للنساء. إن الطبائع السليمة ترفض القيود والأغلال. وفي الواقع، تبحث المرأة عن الحب ويبحث الرجل عن الحرية، أو بالأحرى، يبحث الرجل عن الحرية لكي يفعل ما يحب، ويجلس مع من يحب، ويبحث عمن سيحب، فيرتدُّ بحثه عن الحرية إلى الحب، لكنه لا يبوح بذلك، وتلك مشكلتُه العويصة دوما، يخفي بحثه عن الحب تحت مسمى الحرية. إن حبه مقيد ومشروط، وأما المرأة فإذا طالبت بالحرية فهي حقا تريد الحرية، وذلك أنها، لكي تكتمل أنوثتها، يجب أن تعطي الحبَّ بدون شروط ولا ابتزاز وبدون مقابل. تريد المرأة أن تكون حرة لكي يعلُوَ الحب، ولا يعلو فوقه شيء، بينما يريد الرجل أن يكون حرا لكي يستطيع أن يحبَّ، وهو غالباً لا يُحبُّ إلا أن يُـحَبَّ، فهو لا يُحِبُّ إلا كونَه محبوباً، ولأجل ذلك يُحِبُّ. شيء أشبه بقول جاك لاكان: “أن تحب، هو بالأساس رغبة في أن تكون محبوبا”.

لو كنت امرأة لما تظاهرت بالكمال، فقط كي أغذي خيال الرجال، الذين يسعون جاهدين كل الجهد إلى “امتلاك” المرأة المثالية، كما يسعون سعيا حثيثا إلى “امتلاك” السيارة المثالية. إن الكثير منهم يعتقدون أن هذه العلاقة “المثالية” مع هذه المرأة “المثالية” ستُنسيهم ما عاشوه، وتعوّضُهم عما فقدوه في علاقاتهم السابقة. وهم غالبا لا يعرفون ما يريدون في المرأة، وما يريدون منها، أو بالأحرى هم يريدون منها كل شيء، لا أقول من كل فن طرفا، لكنهم يبحثون فيها عن الكثير من الأمور المتناثرات المتفرقات؛ قليل من الصلابة، وبعضٌ من النعومة، وشيء من الرحمة، والكثير من الراحة، ولمسة إبداعية، وتضحيات أمومية، وذوق فني، وصبر أيوبي، وكرم حاتمي، وهلم جرا. ولأن هذه الأشياء لا تجتمع في إنسان واحد، فإنهم سرعان ما يهرعون إلى البحث عن أخريات، يتوهمون أنهن سوف يستجبن لهذه التطلعات والطموحات الساذجة، المبنية على مجرد الأوهام والتخيلات.

لو كنت امرأة لتوقفتُ عن التظاهر بالكمال والجمال والمثالية، لأنها خصلة ذكورية، هم أرباب التظاهر، المتفنِّنون فيها، الراسخون في أسرارها وفنونها. وخليقٌ بالمرأة أن لا تعتاد التنافس مع الرجال فيما هو من شأن الرجال خاصةً. التوقف عن التظاهر بالكمال والجمال الرائع الباهر يُفيد المرأة أولا، ويفيد الرجال ثانيا. فهو يُفيد المرأة من حيثُ إنها ستَتَّقي عواقب الإعجاب المتسرع من الرجال، والذي يزول سريعا كما تكوّن ونشأ، وذلك معلوم مجرب في كل الأمور المستعجلة؛ وهو مفيد للرجال أيضا؛ لأنهم سَيتفادون تخيُّلات كثيرة مبنية على ادعاءات وإيهاماتٍ بكمال إنساني، وبجمال باهرٍ لا يوجد إلا في خيال الحمقى من الرجال.

لو كنت امرأة ما كنت لأشعر بضرورة القيام بالمزيد من العمل، أيا كان هذا العمل، فقط لكي أثبت لنفسي، وللعالم من حولي، بأني لا أقل مسؤولية أو كفاءة عن الرجل. النساء في مجتمعي يُجهدن أنفسهن لكي يُثبتنَ أنهن أكثر مسؤولية وكفاءة في أمور ليس مطلوبا منهن كذلك، في أمر أشبه بلزوم ما لا يلزم.

لو كنت امرأة في مجتمع كالذي نعيش فيه لكنتُ حذرة جدا في اختيار القضايا والمعارك التي أخوضها، وتحديد ومعرفة الرسالة التي وُجدت من أجلها. كنت سأسخّر كل شيء من أجل هذه المعرفة، لأنه في الكثير من الأحيان تُفرض علينا قضايا تلامس عواطفنا، ولكن لا تتناسب مع طبيعتنا ولا مع احتياجات مجتمعنا؛ قضايا قد تتأثر بها فرنسية في باريس، أو ألمانية في برلين، أو أمريكية في مانهاتن، ولكنها بعيدة كل البعد عن واقع المرأة المغربية التي تقاسي البرد في أزيلال والتهميش في أولوز، والفقر المدقع في خنيفرة، والإهمال في الفقيه بنصالح أو غيرها من المدن المغربية المهمشة، ناهيك عن الضواحي والقرى النائية المعزولة؛ واقع المرأة المغربية الحقيقية الذي يختلف تماما عن واقع النساء اللواتي تُستَورد قضايا بعينها من عندهن، ليتم استنباتها في تربة مختلفة لا تنبت فيها بذور تلك القضايا، أو على الأقل ليست مهيأة لاستقبالها في الوقت الراهن، طبيعةً عقلا وعادة.

لو كنت امرأة لاستغرقت من الوقت ما يكفي في التفكير في العمل الذي سيناسبني بوصفي أمّا، ويتناسب معي بوصفي امرأة، والذي، بسبب موافقته لطبيعتي، سأبدع فيه، ولن يستنزف وقتي وعمري بقدر زائد عن المتوسط الطبيعي، لن يستبد بي، ولن يحوّلني لآلات لا تتوقف عن العمل، وتلهث من إنجاز لآخر، على حساب صحتي أولا، وحقوق من يحتاجون لوقتي ومحبتي وحكمتي وإرشادي وتوجيهاتي وضحكاتي ثانيا.

لو كنت امرأة لفعلت كل ما بوسعي، بل وفوق ما بوسعي، لكي أشرح لنساء مجتمعي اللواتي يحلُمن بالزواج وكأنه غاية الغايات، وللرجال، أيضا، الذين يجعلون الزواج وسيلة من وسائل إشباع غرورهم بتحقيق شخصياتهم، سأشرح لهم أن الزواج الناجح والسعيد لا يمكن أن يوجد إلا بين شخصين قويين يتمتعان بالاستقلالية والحرية، وسوى ذلك لا يعدو أن يكون زواجا أعرج، تتكئ فيه الزوجة على زوجها، أو العكس؛ الزواج الناجح والسعيد لا يمكن أن ينشأ ويتكون إلا بين شخصين لا يريان في الاستقلالية وقوة الشخصية عدوا أو منافسا؛ بين شخصين يعيان أن فروقاتهما سر قوتهما وثراء شخصيتيهما؛ شخصين يحبان بعضهما البعض، وينصهران في بعضهما البعض دون افتقاد أي منهما لشخصيته، أو كما قال إريك فروم: “تكمن مفارقة الحب في كون الاثنين يصبحان واحدا، ومع ذلك يظلان اثنين”؛ بين شخصين يعيان أن الزواج أكبر من مجرد إشباع شهوة حيوانية، وأكبر من مجرد طقس اجتماعي، بل هو ميثاق غليظ، ورابطة مودة ورحمة، له مقاصد أسمى من كل تلك البهرجات الاجتماعية التي التُصقت به، مقاصد استمرار النسل وبقاء النوع، وتحقيق الاستخلاف والعمارة في الأرض، وصونِ النفس من الوقوع في المحرمات.

إنها لكثيرة جدا تلك الأمور التي ترد على ذهني وأنا أفكر: “ماذا لو كنت امرأة”؟ غير أنه، ومن أسف، لم يتيسر لي أن أدونها كلها، كما لم يتيسر لي أن أراجع وأعدّل فيما كتبتُ تقديما وتأخيرا، ولذلك فما ضمّنتُه هذه المقالةَ لم أراعِ في ترتيبه الأهمية، وإنما كنت أدون ما يأتيني عفو الخاطر. ولا شك أنك خبير، عزيزي القارئ، بأن الكتابة عن المرأة هو أمر، كان ولا زال وسيظل، مثيرا للأفكار، جذابا للذهن والخيال، لكن الكتابة حول المرأة مع انتحال نفسية المرأة وموقعها ووضعيتها هي أمر آخر، تجربة فريدة حقا، بيّنت لي أن التفكير في قضايا المرأة من موقع امرأة، قد يكون كفيلا وكافيا لفهم العديد من النقاشات حول قضايا المرأة وحقوقها. والدرس الأهم أنه لا يمكن أن نكون قد فهمنا الشيءَ، ومع ذلك نستمر في مُعاداته ومعاندته، فـأن تَفهَم يعني أن تكُفَّ عن الصدام. وإذا كان السعيُ إلى الفهم أولى خطوات حصول التفاهم، فإن حصول الفهم الجيد ضمانةٌ لحصول التفاهم.

(وليحفظ الله كل النساء، وليمنحْهنًّ الطاقة والصبر لتحملنا، والله من وراء القصد).