ما بين البقرة والخروف

أَنزلَ الله تَعالى القرآن على إنسَانٍ عَربي وَأَكرَم أمته عليه الصلاة وَالسلام بهاته المَنزِلَة، وَخَتمِ الرّسائل وَالهَيمَنَة عَليها بَعدَ أَن كَانَ تَكريمه جَلّ جَلاله لِبَني إسرَائيل لِفَترَة طَوِيلَة، مِن بَعث أَكثَر الأَنبياء مِن صُلبهم، وَتَفضِيلهم على كل الأُمَم. وَقَد بَيّن لَنَا الله سُبحَانه فِي فَترَة مُوسى عَليه السّلام الاضطهاد الذِي تَعَرّضوا لَه وَالظّلمَ الذي كَانوا فِي جَوفه تحتَ نَعل فِرعَون وَذَوِيه. فَبَنو إسرَائيل فِي فَترَة كَانوا مِن أَكثَر النّاس تَعذيباً على وَجه الأَرض، وَقَد صَور لَنا الحق سُبحَانه أساليبَ تَعذيبهم على يَد فِرعون وَأَنّه اتخَذهم عَبِيداً يَقول سُبحَانه {إِنّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} وَبِهَذا الوَصفِ العَجِيب قَرّب لنا الله مَشاهد الاستِضعافِ وَقِلّةَ الحِيلَة وَانعِدَام الرّحمة فِي تلك الفَترة قَبل قُدوم نبي الله مُوسى. وَعِندَ وِلاَدَته علَيه السّلام وَمُعجِزَة اليَم، ثُم تَربيته في قَصر الفِرعَون وَصُنعه على عَين الله سُبحَانه، كَانَت مُعجزَةً بِحَدّ ذَاتِهَا لِبَني إسرَائيل أَن بَعَث مِن صلبِهم مَن يُخَلّصهم من العُبودية وَالظّلم إلى السَّلمِ وَالحُرّيّة. وَقَد رَأوا بِأمّ أعينهم عَكسَنَا نَحن آيَات الله فِي فرعَون مِن الدّم وَالقُمل وَمَا إلى ذَلِكَ ثُمّ انشِقَاق البَحر وَنجَاتهم {فَأَنجَينَاكُم وَأَغرَقنَا آلَ فِرعَونَ وَأنتم تَنظُرون}، فَبَنو إسرائيل كَانوا شَاهِدِي القصص وَحَاضريهَا، لَكِنّهم بَدَل أَن يَلبِسوا الحَقّ وَالإذعَان لله، انتَهَوا مِن فِرعَون فَإذَا بِفرعون فِي جَوفِ صُدورهم لاَ يحتَاجونَه كَي يَظلم. وَهُم بِذَلك استَكبَروا أَيّانَ استِكبَارٍ، وَعَلوا ظَانّين أَنّهم أَحبَاب الله لاَ يَقدِر -حَاشاه- على تَعذِيبهم، فَتكبّروا عَن عِبَادَته، وَظَلموا أَنفسَهم وَنَسوا رَبّهم وَرِسَالَته.

مقالات مرتبطة

إِنّ قِصّةَ بَنِي إِسرَائِيل، لَيسَت قِصّةَ وَصفٍ لأُمّةٍ خَلَت وَاندَثَرت وَلَم يَظل لَهَا أَثَر، بَل القرآن يَضرِب الأَمثَالَ كَي نَحتَرس مِن أَنفسنا أَن نَكون مِنهم وَنحن غَافِلون، فَدَقّقَ فِي وَصفِهم كَأَنّنَا نَراهُم، فَسُبحَان الخَطّ الإِلاَهي الذِي لاَ يَنتَهي مِدَاده بانتِهَاء الكَلِمَات. وَمِن المَوَاعِظ التِي نَجِدها قِصّة البَقَرة، فَهِي لَيسَت حِوَاراً عَن ذَبحِ بَقَرة وأخذ وَرَدّ عَابِرَين فَحسب، بَل هُو {إِنّ الله يَأمُركم} قَبلَ أَن تَكون قِصّة {أَن تَذبَحوا بَقَرةً}، وَهُنَا وَإِن بَدا لِشَخص أَنه مَوقِفٌ يَسِيرٌ إلاّ أَنه يُفَصّل لَنَا بالتّدقيق أَحوَال بَنِي إسرَائيل وَمَاهِية قُلوبهم. فَالأَمر الإلهي يَنزِل صَافِياً كَامِلاً لاَ يَقبَل التّفَاوض الاجتِمَاعي أَو البَحث العِلمِي، أَو التّريّث فِيه، بَل هُوَ حُكم فَرضٍ يَبدأ تَفعيل عَمَله فَور النّطق بِه. وَلِذَلِكَ السّفيه وَالظّالِم الحَقيقِي مَن تَتَلوّى أَفعَاله بَعدَ أَمر الله عَزّ وَجَل، وَهَذا هو القَصد، فَبنو إسرَائيل مَاطلوا وَتَبَاطؤوا وَعللوا ذَلِكَ كَأنّهم عَلى حَقّ، وَتَبرأوا مِن ذَلك الإله أَن قَالوا: {ادع لَنَا رَبّك} فِي قَالب استِحقَار وَاستخفاف خَبيث يؤكد عَلى خُبثهم وَمَكرهم. وَفِي كُلّ مَرّة يَستَكبرون يَستَكبر الله عَزّ وَجل وَيُضَيّق عَليهم البَحث إلى آخِر النّص.

الشّاهد عِندَنَا هُنَا، هُوَ الاستِجَابَة لِأَمر الله سُبحَانه، كَيفَ كَانَت وَلِمَ كَانت، وَبَعدَ أَيّ شَيء كَانَت، هَل نَنتَظِر الأَسئلَةَ المَادّيّة الكَثيرة وَالبَحث العِلمي الأَرضِي المَحض حَتى نَتَضرّع لله سُبحَانه بِمَا يَأمرنا بِه وَيَهدينا إِلَيه، أَم تَكون استِجَابَتنا كَمَا كَان عَليهَا السّلَف الصّالِح كَأَبِي بَكرٍ رَضي الله عنه حِينَمَا قَال عَن رحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإِسرَاء وَالمِعرَاج “لَئِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ لَقَدْ صَدَقَ”. وَحَال هَاته الاستِجَابَة حَال إبرَاهِيمَ الخَليل في مَنَامه حِينَمَا رأى رُؤيا يَذبَح فِيهَا وَلَده الحَبِيب، وَكَيفَ أَنهَا أَمر مِنَ الله جَلّ جَلاَله يفُوق حب الأَب لابنِه وَمَشاعِرَه إلى تَمَام العُبودية وَالاستسلام {قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} فَصَبرُهم وَخُضوعهم وَعدم استِكبَارهم نَزَل رَحمةً مِن عِند الله سُبحَانه -نقيضا لضَيق في البَحثِ عَن البَقَرة كَمَا كَان مَع بني إسرائيل أَن أَفدَاهم كَبشاً يَذبَحونه {وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} وَكَانَ الأَمر فِيه مِنَ الابتِلاَء فِي الظّاهِر مَا جَعَله عِيداً للمُسلِمين يَحتَفِلون بِه إلى يَوم الدّين، لاَ نَصراً للأَبناء وَلَكن تَذكّراً للإسلام الحَقيقي وَاعتزازا به {سَمِعنَا وَأَطَعنَا}.

إِنّ قِصّة البَقَرة وَالخَروف لاَ تَقتَصِر عَلى قِصّة الذّبح فِي المَقَام الأَوّل، فَهُوَ وَسِيلَة لِلغَاية الكُبرى للخلق، وَهي عِبَادَة الله وَحدَه، وَابتِلاَء العِبَاد كَي يَظهَر مَعدِنُهم، والفَرقُ بَينَ بَنِي إسرَائيلَ وَإبرَاهيم عَليه السّلام كَالفَرقِ بَينَ الحَقّ البَاطل وَمَا استقر مِنهما فِي النّفس، وَكَم مِن بَني إسرائِيل يُحَاجون في آيَات الله وَيُمَاطِلون، وَكَم مِن إِبرَاهيم يُجَاهد نَفسَه فِي سَبيل الامتثال للآيَات {قُل هَل يَستَوِي الذِينَ يَعلَمون وَ الذِينَ لاَ يَعلَمون}.