ما تأتي به الرياح تذهب به الزوابع

مازلت أذكر جيدا لحظة اقتنائي لأول قاموس عربي-انجليزي في طفولتي وفرحتي العارمة بذلك، ومازلت أذكر أكثر تلك الجملة التي فتحتُ صفحاتِه عليها بالباب المخصص للأمثال والحكم ..
“ما تأتي به الرياح تذهب به الزوابع” تلك هي العبارة التي فتَحتُ القاموس عليها، وفتَحَتْ عيني على حقيقة نتغاضاها كل مرة لنتعلق بالسراب قبل أن يختفي كل شيء ببساطة ونبقى عالقين في أوهامنا …
.
ونحن نعيش عصر السرعة تَمَلكَنا هوسُ الأمور الجاهزة، فأصبحنا نسعى خلف النجاح المتوفر والشهرة السريعة والحب السهل، وأصبحت تجارتها الأكثر رواجا فانتشرت الدورات التكوينية والكتب التي تحمل عناوين من قبيل “كيف تصبح غنيا في ثلاث أيام” ، “كيف تتعلم في يومين دون معلم” ، “كيف تغري حبيبك في سبع خطوات”… وكلٌّ يبحث عن وهم النجاح السهل على مقاسه …
.
ونتيجة هذا الوهم تجد جيلنا قد صار مقتنعا أن فكرةً لوحدها كافية لصنع نجاح حقيقي دون أسس أو تكوين قوي، لتنتهي أكثر من99 في المئة من مشاريع المقاولات الصغرى بالفشل. وتجدنا ننساق خلف شبكات التسويق الهرمي التي توهمنا بالربح السريع قبل أن تنهار هي الأخرى في مدة محدودة. أما أعلى درجات رواد هذا الوهم فهم نوع لا يحرك ساكنا ويقضي حياته يفتش عن إشارات نجاح في تأويلات الأبراج وكتب تفسير الأحلام..
.

مقالات مرتبطة

قد أفلح من زكاها

من كل زاوية!

كن أنت كما أنت!


أصبح الكل يبحث عن طرف جاهز للارتباط في وسائل وتطبيقات التواصل الاجتماعي، يبدأ قصته بنقرة زر وينهيها ببلوك، معتقدا بأنه أمام خيارات كثيرة لا تنتهي تسمح له بإيجاد شريك جديد في دقائق، ناسيا أن ما تأتي به الرياح تذهب به الزوابع، لتمتلأ قصص شبابنا بالبؤس والخيبات وقاعات محاكمنا بملفات الطلاق.
.
هذه الحقيقة لا تسكن حياتنا وتصرفاتنا الشخصية فقط بل نجدها تصنع مصير الشعوب، فشعوبنا العربية أيضا أرادت أن تصنع تغييرا جاهزا وثورة سهلة لتتراجع بعدها بشهور وتعيش ضياعها وتهرم دون أن تعيش تلك اللحظة التاريخية..
.
صار كل شيء موسميا نجلس متأملين لعبوره كمن يرقب شروق شمس يوم وغروبها، فنستيقظ كل يوم على موضة جديدة، ننسى بها كتب الأمس التي كتبت على عجل، موسيقاه التي داعبت الأذن وغابت، أحلامه التي مرت على البال وتبخرت، ومقربين مروا ببابنا وراحت خطاهم اليوم بلا أثر …
.
فإن حدث وألقت رياح الصدف بورقة نضرة أمامك دون أن تبذل جهدا للإمساك بها والحفاظ عليها، فلا تعجب إن مرت زوبعة خيبة لتذهب بها بعيدا، ولا تبكي رحيلها لأنها بكل بساطة لم تكن لك منذ البداية.
.
فتلك سنة الحياة وعدلها الإلهي الذي يجعل من التخطيط الحقيقي والعزم الصادق سر كل نجاح ومصدر كل تطور … وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

1xbet casino siteleri bahis siteleri