متى سنرتاح؟

280

الكثير منا ينتظر بفارغ الصبر متى ستنقضي فترة معينة، فترة انتشر فيها وباء خطير وأقبع الناس في البيوت كرها وقسرا مخافة الموت أو فترة كساد اقتصادي يخيب آمال البطاليين العاطلين عن العمل مرددين بيأس متى سنرتاح؟ أو فشل ذريع يطال أحدهم وتسود الدنيا في وجهه رافعا كفيه إلى السماء وجاثما على ركبتيه يصرخ وغصة تحرق قلبه “يارب متى سأرتاح؟”، ذلك الذي طال بحثه عن شريك مناسب لحياته ولكنه بعد بحث وتنقيب عاد خالي الوفاض مطأطئا رأسه واليأس يملأ فؤاده “ترى متى سأرتاح” وحتى من مل من كل ما يدور حوله من فساد وأمراض وخسارات عاطفية ومادية، وقرر أن يضع حدا لحياته ظنا منه المسكين أنه سيرتاح من جحيم وعذاب الدنيا ولكن لم يعلم أنه إذا ما أقدم على قتل نفسه فلن يجد الراحة التي كان يطمح إليها أبدا، لا، بل قد يلاقي عذابا أقسى مما كان عليه في دنياه.

وغيرها من القصص الكثيرة التي تحملها الحياة في جعبتها؛ فالكل من جميع بقاع الأرض ومن مختلف الأجناس والديانات يحن للراحة ويطمح إليها، وقد يضحون في ذلك بالغالي والنفيس فقط في سبيل أن ينالوا السعادة المنشودة، ويرتاحوا من ضيم وأكدار الحياة التي تنغص عليهم استمتاعهم بما جادت به الأرض من ملذات دنيوية كثيرة، لأنها القاعدة وسنة الله في الكون هكذا خلقنا وهكذا سنموت.

ربما لا نعي كل الوعي أن الدنيا دار ابتلاءات و امتحانات مصداقا لقوله تعالى في سورة الملك: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ } فكلما اجتزنا امتحانا تبقى في انتظارنا ورقة اختبار أخرى كلها أسئلة متفاوتة الصعوبة والسهولة أيضا؛ فذلك يتوقف بحسب تركيبة كل شخص وحسب درجة إيمانه بالقضاء والقدر، وكذا حسن ظنه بالله.

من ثم، مخطىء من يعتقد أنه سيرتاح كليا بمجرد ما سيسلم ورقة الامتحان أو بمجرد ظهور النتيجة، فحتى لو كانت مرضية والله لن تسعد ولن ترتاح ما دمت تتنفس فوق هذه الأرض.

إنها الحقيقة الثابتة في قوانين الكون؛ لأن الحياة لا تكتمل لأحد وحتى لو بدا لنا أن هناك من يعيش السعادة على مصراعيها قد لا يكون كذلك، وإنما نفسه الأبية وتجنب شفقة الناس يجعله يظهر عكس ذلك تماما، أخبرتني صديقة ذات مرة أنها تعتبرني قدوة لها وأنها تتمنى أن تكون مثلي، ما إن أنهت كلامها إلا واغرورقت عيناي بالدموع لأنها ربما لا تدري أنني أيضا تمنيت ذات مرة أن أكون مثلها وأني اعتقدتها بنظرتي القاصرة أنها تتقلب في النعيم وتحيا في هدوء وطمأنينة تملأ فؤادها، وكذا السكينة التي تغمرها غير آبهة بما حدث وغير مترصدة وخائفة لما سيحدث في المستقبل، حتى تجلى لي حزنها العميق واضحا في وجهها الصغير. وددت أن أنصحها نصيحة من القلب بأن لا تفكر أبدا أني أعيش الحياة المثالية التي تظنها، فالبيوت أسرار كما يقال وصناديق مغلقة قلما يترسب منها ما يدور في دواخلها الخفية.

إن كل إنسان عليه أن يبرمج عقله على التسليم بأن لا ارتياح كامل وسعادة مثالية في هذه الدنيا، بل دروس وعبر ننالها في كل مرة متفاوتة القساوة حتى نستيطع استيعابها وإدراكها تمام الإدراك وتترسخ لنا تلك الحقيقة، ومن ثم تغدو نصب أعيننا أينما رحلنا وارتحلنا.

هنا في هذه الدنيا لا راحة قبل الجنة بل مصائب وفتن وحوادث بأنواع وأشكال عديدة، وبالتالي علينا أن نعي جيدا بأن لا فرح يدوم ولا حزن يمكث أكثر مما خصص له من الوقت، بل فرح اليوم قد يكون مقدمة لحزن دفين سيجيء ولو بعد حين والعكس بالعكس؛ إذن فما هي إلا دار تتقلب وتتلون تارة بألوان زاهية تسر الناظرين وتارة بألوان قاتمة سوداء تغرس أعراض الاكتئاب الحاد بسرعة في الإنسان…لا راحة فعلية إلا في ذلك المكان حيث الشباب الدائم والصحة الكاملة ولا كدر ولا كرب، بل سعادة وبهجة وفرح أبدي.

مقالات مرتبطة

إن الراحة هي في أول قدم تضعها في الجنة كما قال الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- ذلك الذي آثر الجار قبل الدار بات يخيط ثوبه بيديه ويبيت في المسجد، زهد في الدنيا وكل طيباتها، وسلم نفسه لما هو باق وفضل ما سيعود عليه بالنفع، فهو من القلائل الذين أدركوا أن الراحة الحقيقية ليست هنا، ونتيجة لذلك تحتم علينا أن نتجهز لها بخير الزاد ونحزم أمتعتنا جيدا بغية العبور إلى الجنة حيث لا خصب ولا نصب فيها ولا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

هناك عبارة جميلة لأحدهم كانت قد وقعت عليها عيناي ذات مرة وتأملتها مليا وأحسست بوقع كلماتها في فؤادي، مفادها أن ﺍﻟﺮﺍﺣﺔ ﻛﺎﻟﺴﺮﺍﺏ ﻛﻠﻤﺎ ﺍﻗﺘﺮﺑﻨﺎ ﻣﻨﻬﺎ ابتعدت ولن نصلها إلا في الجنة، فلنترك الراحة إذن ولنبحث عن الجنة. إننا فعلا، نلهث ونجري وراء سراب لا وجود له، ننتظر أن تنتهي فترة بعد فترة، نزعم بذلك أنه كلما انقضت فترة معينة من حياتنا سيهدأ بالنا وتبتهج أرواحنا التواقة للعيش دون منغصات، لكننا في الأخير نكتشف أن زهرة عمرنا ولت وذبلت ولم يعد لها وجود ونحن لم نهنأ ولم نقطف ثمار السرور الذي يغمر القلب ولا الصفاء الكامل للبال، فنتحسر ونندب حظنا على تقصيرنا في ما هو باق بالفعل في الذي سيشتري لنا تذكرة السفر إلى الجنة، حيث سنجد كل ما كنا نصبو إليه في الدنيا الفانية.

في قصة كنت قد قرأتها منذ زمن لشاب عربي مسلم هاجر إلى إحدى الدول الأوروبية من أجل متابعة دراسته، فاضطرته الظروف لأن يمكث لدى أسرة نصرانية وقد كان هذا الفتى ملتزما ويؤدي جميع فروضه الدينية كما يجب، فقد كان يستيقظ مع خيوط الفجر ويتوضأ استعدادا للصلاة وكانت عجوز في البيت ترمقه دائما، وهمت بسؤاله ذات مرة لما تستيقظ باكرا جدا؟ فرد عليها أن دينه يلزمه بذلك ثم أردفت قائلة حسنا، لكن لو ترتاح قليلا إلى حين طلوع الشمس أجابها أن دينه لن يقبل منه إن أخر الصلاة وأنه يفعل كل ذلك لأنه يريد لنفسه الراحة الحقيقية الموجودة في الجنة فقط.

أيضا في قصة أخرى، يروي رجل صاحب أمانة أن أمه كانت توقظه في الثلث الأخير من الليل، وكان يقول يا أماه أريد الراحة قليلا، فتجيبه بما معناه: ما أوقظك إلا لراحتك يا بني، إذا دخلت الجنة فارتح؛ كما لا يجب أن ننسى قصة السيدة آسية بنت مزاحم زوجة فرعون، ذاك الطاغية الكبير الذي لم يشهد التاريخ تمرده وجحده وإنكاره فضل الله تعالى عليه، كانت زوجته آسية ذات إيمان عميق بالله، لقد كان لها كل شيء المال والقصر والخدم …كل مما تتمناه الذات الإنسانية، ولكن نظرتها الثاقبة لأحوال الدنيا جعل منها تؤثر كل ذلك في سبيل نيل رضا الله، حيث رفعت يديها للسماء داعية {رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ} تخلت عن قصور الدنيا لتنعم في بيتها في الجنة.

في كل قصة من هذه القصص عبرة عميقة فحواها أن هناك أناسا فهموا المغزى جيدا وعرفوا حقيقة الدنيا، وأن الراحة هي غاية يجب إدراكها بعدة وسائل لعل أبرزها القيام بما أملاه علينا ديننا من فرائض وتعاليم على أكمل وجه، والعمل في دنيانا بما يرضي الله؛ لأن الراحة الحقة تعني أن تعيش بسيطا قانعا بما أنعم عليك خالقك من نعم كثيرة، وأن تستحضر الله في كل أفعالك كيفما كانت، وأن لا تحزن على ما فات، وما أصابك وكذا أن تتأكد أن كل ما يحدث لك هو بعوض بإذن الله؛ لأن الحياة هكذا خلقت، خاتمتها الفناء هي كأس ومزاج ملون لا تستقر على شيء، منحة ومحنة، نعمة ونقمة، غنى وفقر، شدة ورخاء.
يقول أحد الشعراء:

طبعت على كدر وأنت تريدها *** صفوا من الأقذار والأكدار

ستجزى على كل صنيعك وإحسانك في العمل ولو بعد حين، ذلك وعد الله كما جاء في الآية الكريمة: {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا}، إذن علينا أن نسعى جاهدين لترتيب أولوياتنا وإنارة بصيرتنا ومعرفة الحق من الصواب، وأن نجدد نياتنا ونستعد كل الاستعداد، حتى يقال لنا في آخر لحظات حياتنا: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةَ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي}.