مدرسة العزلة

0

مساكين أولئك الذين يعيشون في روتين يومي، من يضبطون منبهاتهم كل صباح فيغرقون في نوم الليل دون أرق، أولئك الذين يصنفون أنفسهم في خانة الناس العاديين، يعيشون لحظاتهم في صحبة الآخرين ويهجرون صحبة ذواتهم، فيفصلون مبادئهم وهواياتهم واهتماماتهم على مقاسات الموضة والإعلام،
فهم بهذا يفوتون أجمل ثمار السهر والعزلة حيث نكتشف أنفسنا، وحيث نبلغ أعماقها في لحظات الصمت والهدوء، فساعات الوحدة والسهر وحتى المرض هي أجمل ما يحصل لنا.
فمن المؤكد أنه كلما زادت دروسنا قسوة وتماريننا قوة الا وتعلمنا الكثير، وعلى غرار ذلك فإن مدرسة الحزن والمرض هي مدرسة الكفاءة والتميز، وخريجوها من أكثر الناس تفاؤلا وفهما لنعمة الصحة وتقديرا لصورة الابتسامة التي يرسمونها على ملامحهم.


 

إن الابتعاد والعزلة هي الاستثمار الحكيم لكل تجاربنا والفهم القويم لكل مشاكلنا، لذا كان الفنانون أجمل ابداعا في وحدتهم و العلماء أكثر اكتشافا في عزلتهم، و كان الفلاسفة أعرف الناس بمفاهيم الحياة المعقدة، وكان التأمل أساس الإيمان بالله وحكمته،

والعزلة شأنها شأن ممارسات النفس الأخرى وسطية ومعتدلة، فمن يهجرها يصبح كمن يزرع أرض أحلامه وتجاربه دون أن يحصد دروسها الثمينة، كما أن من يغرق فيها دون عودة يكون كمن يطلب أن يحصد أرضا قاحلة لا زرع ولا نبات فيها،
وليست صدفة أن تكون أجمل الصفات وأروع الصور تنبع من الفطرة السليمة ومن القلوب الصافية الصادقة، وليست صدفة أن نولد فرادى وأن ندفن فرادى وأن نحاسب فرادى كذلك، لأن الإنسان موجود بذاته لا من خلال الآخرين.

ما زلت أذكر تلك اللحظة المفصلية في حياتي، حيث تغيرت نظرتي، وحيث أعدت ترتيب الكثير من ملفات النفس وخباياها، هي لحظة الحقيقة الصادقة التي غافلتني لتبعدني من الغفلة في أكثر لحظاتي ضياعا واستسلاما…

مقالات مرتبطة

كل ما في الأمر أني وقفت أمام المرآة ساعتها، لكن بنظرة مختلفة هذه المرة، فلم أقف لأرى ترتيب هندامي ولا تصفيف شعري ولا نظافة وجهي… بل نظرت لأراني أنا كوجود، كهدف، كطموح، كروح تائهة… لحظتها رأيت نفسي في نفسي، وتاهت عيناي في عيناي، وأحسست ساعتها كأني أرتفع عن متاهة الحياة التي كنت أجرب طرقها لأرى الكثير من دروبها ولأدرك عوالم مسالكها. بعدها لم أعد أهتم لتوافه الأمور، لم تعد تحركني لحظات الخوف الطفولية ولا هواجس الحياة اليومية المعتادة، فأصبحت الرؤية فجأة أوضح مما مضى …

 

 

أدركت ساعتها أن من الغباء أن نبحث عن الأجوبة خارجنا أو في نصائح وتجارب الآخرين، فكل الأجوبة تسكن دواخلنا ويكفي فقط أن نقف عندها وأن نطرح الأسئلة المناسبة لذلك.
فلن تجد أجوبتك في كتب البرمجة العصبية أو التنمية البشرية لأنك أعلم بنفسك في ظروفك وشخصيتك ونقاط ضعفك وقوتك، وستظل هناك دائما أسرار لن تستطيع أن تبوح بها إلا لنفسك ومشاعر لن يفهمها غيرك وأحاسيس تصنعك أنت.

فكما نخفي أجسادنا كي لا يراها عارية غيرنا، ففي لحظات التأمل الفردية نعري أنفسنا من كل الأقنعة ومن كل الحواجز، ونفتح كل الزنازين التي خبأنا فيها ضعفنا فنطلق العنان لها دون خجل أو خوف.

لا أخفيكم سرا أني وقفت أمام المرآة مرات لا تحصى بعدها، لكني لم أملك الجرأة لأرى نفسي مجددا، لأنها لحظات صعبة محبطة تُقتل فيها أوهامنا وأحلامنا الزائفة، ومازال يلزمني الكثير من الأبواب لأفتحها والكثير من الأقنعة لأسقطها.
لكني أدعوا كل الضائعين وكل التائهين أن تقفوا ساعة أمام أنفسكم غير مبالين بشكلكم أو لباسكم، بل لتروا أنفسكم من خلالكم لا من خلال الآخرين، وتختبروا لحظات صدق الذات مع الذات، وستكتشفون حينها أن ما تبحثون عنه أقرب منكم مما تتصورون.

… عندها فقط ستلمسون إنسانيتكم، وستدركون نعمة العقل وشيئا من حكمة الحياة..