مطالعة الكتاب أو مجالسة روح الكاتب

بدأت علاقتي والكتب منذ زمن بعيد من زمن الله، منذ أن كنت طفلة ملت من رتابة اللعب والمشاكسة وأرادت أن تنهي مرحلة اليرقة والشرنقة تلك بأسرع ما يمكن، وتقفز عاليا لتبلغ مرحلة الفراشة، وبينما صرت فراشة حلقت يوما مقداره بضعة أعوام فوق أسطر العديد من القصص والروايات على التوالي، بدأت شباك الحب تنشب خيوطها بيني وبين الأحرف والكلمات، حتى صرت كما أنا اليوم ممتلئة كل الامتلاء بحب الكتب.

لم أعد أكتفي بقراءتها فقط بل صارت لي هواية أخرى، كلما استهللت قراءة كتاب معين دخلت روحي وروح الكاتب في نقاش طويل عريض؛ كأنه ماثل أمامي بكل ما أوتي من حضور، تاركا زمنه ومكانه وأتى خصيصا ليعيد سرد كتابه في زماني ومكاني، بكل تفاصيله وشخصياته وأحداثه أيضا، ليجيبني عن التساؤلات التي طرقت باب فكري وأنا أتابع خطى قلمه. اعتدت هذه الطريقة في القراءة دون غيرها ولم أعد أقوى على تغييرها؛ إذ كانت الطريقة الأقرب إلى عقلي منطقا، والأقرب إلى روحي كونها تحادث روحا؛ فالسطور والأحرف والكلمات في البداية تكون جافة جوفاء، لولا تذكر أن من خطها بيده إنسان له روح ستشهد له بما خط مدى الحياة.

لا تعرف الروح حدودا لا في الزمان ولا في المكان، قد تنخدع اللغة بذلك وقد يتم استبدال كلمة برفيقتها في المعنى أو استبدال واو العطف بواو المعية، أو يمكن أيضا أثناء ترجمة الكتاب للغة أخرى تعذر وجود نفس الكلمة التي وردت في اللغة الأصلية؛ فيتم تغيير الجملة بالكامل مع الاحتفاظ بوميض من المعنى، قد يشتت هذا تركيزك قليلا أو ربما كثيرا وأنت تقرأ قراءة بالبصر فقط، لكن، إن اعتمدت البصيرة ستجد أن ما جادت به روح الكاتب هو هو ولو مرت العصور وكرت الدهور، ستجد أن كل لغات العالم التي تمت ترجمة الكتاب لها موحدة بلسان روح الكاتب؛ لأن الكتابة تكون نتيجة اتحاد الروح بإعطاء الفكرة وتقديم رسم هندسي لها، بينما يسخر الجسد الأنامل الخمسة لبناء الفكرة على ورقة قاحلة ستصبح بعد الكتابة أرضا معمارية صالحة للقراءة، ستبني الأنامل الكلمات بطريقة احترافية اعتادت على فعلها منذ عقود، حيث إنها ستبسط حروفا بينما ستبني الأخرى على شكل أفقي شامخ، سترفع حروفا وتنصب حروفا، بينما سيكون محل البعض منها الجر وأخرى المد بجسور واوية أو يائية، وستستمر على هذا النحو إلى حين إنهاء العمل الذي ستنتظره أرواح كثيرة لتستمتع بالسكن فيه وقراءته.

مقالات مرتبطة

شيء آخر متن حبل الوصل بيني وبين هذه الطريقة كونها تعمل على ترسيخ مفهوم الكتاب ولبه بطريقة أوسع في ذاكرتي؛ سواء طويلة المدى أو قصيرة المدى، وكلما أردت أستطيع إعادة قراءة الصفحات المطوية بانتظام في ذاكرتي؛ لأنني لا أرسخ الكتاب فقط على شكل أحرف مبعثرة وكلمات متراصة بل تبقى الصور الملتقطة بعدسة خيالي وكذا حوار الشخصيات إن وجدت وأصوات ومناظر الوصف الدقيق حاضرة بشكل منتظم وجميل، حتى أنني أحيانا أستطيع تخيل اقتباساتي المفضلة على لسان كاتبها بإلقاء فصيح كما لم أسمعها من قبل.

لم أبتكر هذه الطريقة ولم أقتبسها من مكان ما، ولم أتذكر كيف ومتى اتخذتها هواية، كل ما أتذكره هو أن أمر العزوف عنها شيء مستحيل، وأمر استمرار التعلم منها واتخاذها سبيلا لهدف الوصول لوجه المعرفة الكريم شيء وارد ولا مفر منه. هذا كله في سبيل القراءة، فاقرأ!

اقرأ باسم ربك الذي خلق أولا، واقرأ من أجل فكرك ثانيا.