مقبول في وضعية الفقر

جاء بوجه شاحب يسأل عن طبيب ما، لا يتذكر اسمه ولا القسم الذي يعمل به، في مستشفى يضم عشرات الأقسام ومئات الأطباء، استوقفني قائلا: أختي، أين يتواجد الطبيب فلان؟. كيف سأجيبه بأني لا أعرف وعلى كتفي تتدلى سماعات طبية وفي وجهي ترتسم حيرة طبيبة؟

أخذت أوراقه لعلي أجد أثرا يدلني على ضالته، فتحت ذلك الملف البني الشاحب الباعثِ على الأسى أكثر من حال صاحبه، أوراق تضم أوراقا وتلف أخرى، أوراق تتكاثر كالفطر كلما تعمقت داخل الملف. أفتح وأفتح حتى انقطع نفسي بسبب رطوبة الملف. تحاليل وتقارير وصور أشعة ووصفات أدوية، منها التي اختلطت بدم تجمد، ومنها التي محيت حروفها، والتي تمزقت أطرافها، والتي فقد نصفها، والتي مازالت صامدة كعلم سعيد فوق مستشفى حزين. أخرجتُ ورقة قد يكون شكلها إلى حد ما جديد، أقرأ الاسم، والنسب، والسن، والوضع العائلي، ثم الحالة الاجتماعية “مقبول في وضعية الفقر”.

تجمدت مكاني، لم يسبق أن قرأت جملة كتلك، لا عند الروسي دوستويفسكي وهو يحكي عن العوز البئيس لبطل روايته “الجريمة والعقاب” ولا في رواية “الجوع” لكاتبها النرويجي كنوت هامسون وهو يقص علينا فقر وجوع بطله اللذين يصيبان العقل بالاستنزاف بمجرد تخيلهما فقط.

من قَبله!؟ وكيف قُبل!؟ ولماذا قُبل!؟ وهو شاب في مقتبل عمره، خانه العمر وهزئت به فورة الشباب، وتحالفت ضده صحته والفقر، لتدرِج اسمه داخل لوائح المقبولين النهائية.

سقط على خيالي سيناريو غريب، وجدتني أعيش دور مخرج مغمور، يتخيل مشهدا من فيلم قصير ويأمل الفوز به في مهرجان القاهرة. وفي لحظة دامت عمرا، تخيلت طاولات قد صُفت وأوراق امتحان قد وُزعت، وأعناقا قد اشرأبت، ومباراة تم الإعلان عن بدايتها: أعزائي المرشحين مرحبا بكم في مباراة “وضعية الفقر”، يرجى منكم إغلاق هواتفكم إن كنتم تملكونها، ويمنع عليكم منعا كليا الحديث مع زملائكم إن كان لكم أصلا مزاج للحديث…مدة المباراة ساعتان، كل تسليم للأوراق بعد انتهاء الوقت المحدد يلغي مشاركة صاحبها ويجعله عرضة لدورة استدراكية قد تحرمه من معونة الدقيق الشهرية.

أجب عن الآتي:
ما بلدك!؟
ما مستوى تعليمك!؟
هل تأكل ما تشتهيه كل يوم!؟
هل تنام وفي عينيك دمعة لعجزك عن سد فواتيرك!؟
هل تشعر بالقهر!؟
هل تحب بلدك!؟

أجيبوا بهدوء…متنياتنا لكم بالتوفيق.
ينتظر المتبارون النتائج، كل يرتقب الفرج، ويتمنى القبول ويرجو من حظه أن يغادر سباته ولو لمرة واحدة، ثم يخرج عليهم حارس ببطن مكور، كحامل مهددة بالإجهاض في كل لحظة، يعلق سبورة بحجم السماء، ألف مبروك يا سادة، نجح الكل!

مقبولون في وضعية الفقر، مقبولون في رحى المعاناة، مقبولون في دوامة القهر، مقبولون في طاحونة الحاجة. دمتم سالمين!
حدقت في عينيه مباشرة، فرأيت شلال يأس عاقل ينهمر، أجبته عن سؤاله: ضالتك في الطابق الرابع اسأل هناك عنها.